إتفاق جنيف بين إيران والغرب|التاريخ يعيد نفسه والمحرر صلاح الدين الثاني بيننا … موجز تاريخي حول الفرق الباطنية وخياناتها التاريخية الكارثية للمسلمين


rafidha1

إتفاق جنيف بين إيران والغرب|التاريخ يعيد نفسه والمحرر صلاح الدين الثاني بيننا … موجز تاريخي حول الفرق الباطنية وخياناتها التاريخية الكارثية للمسلمين

حقائق تاريخية ثابتة في كتب المؤرخين تناقلتها الأجيال جيل إثر جيل وبعض هؤلاء المؤرخين من النصارى الذين صاحبوا الحملات الصليبية، ولذا فسنتحدث عن الشيعة في عيون الغرب النصراني، ومن هذه الفرق التي كان ظهورها ولا يزال وجودها يُشكل أكبر الخطر والضرر على الإسلام والمسلمين فرق: الإسماعيلية- القرامطة- النصيرية- الدروز.

وجميع هذه الفرق تندرج تحت ستار التشيع لآل البيت ويعمها القول بالباطن. ويضيف بعض الكتاب المعاصرين فرقاً أخرى للباطنية لا تزال منتشرة بين المسلمين إلى يومنا هذا ولكل فرقة رأي ونصيب من التأويل الباطني وذلك كالبابية والبهائية والقاديانية.

والحقيقة أن فرق الباطنية كثيرة ومتجددة ومن الصعب حصرها واعتبارها محددة ومعدودة؛ لأن لهم –كما يقول الشهرستاني- دعوة في كل زمان ومقالة جديدة بكل لسان – كما أن لهم فروعاً في عصرنا الحاضر تظهر لكل قوم بمظهر تقضي به البيئة التي يعيشون فيه،ا وما فرقة القرآنيين في الباكستان أو الجمهوريين في السودان أو البلاليين في الولايات المتحدة إلا نماذج واقعية على استمرار التيار الباطني على خلاف الأزمان والأمصار.

وحسبنا في حصر فرق الباطنية القاعدة المشهورة عند علماء الفرق والمقالات وخلاصتها: أن القائل لكل ظاهر باطن ولكل تنزيل تأويل. وإن الظاهر بمنزلة القشرة والباطن بمنزلة اللب كل قائل لذلك يعتبر باطنياً

أولا: الشيعة في عيون الغرب:
لقد تفاوتت وتباينت مناهج الدراسات الغربية تجاه التيارات الفكرية في العالم الإسلامي حسب تباين الظروف السياسية، التي دونت فيها تلك الدراسات، ومع الانتعاش الذي شهدته دور النشر الغربية المعنية بالدراسات الشيعية منذ سقوط بغداد، يكن من المفيد لنا مراجعة تطور النظرة الغربية للفكر الشيعي ومكانته في مسار الفكر الإسلامي بعمومه، ولقد مرت نظرة الغرب إلى الشيعة بعدة محطات أو مراحل نجملها فيما يلي:

(أ) مرحلة الحروب الصليبية:
يُمثل القرن الثاني عشر الميلادي بداية المعرفة الغربية بالشيعة كتنظيم سياسي وذلك مع بداية الحملات الصليبية، وتواتر الأخبار المثيرة إلى الغرب عن فرقة الحشاشين، وبعض من الأخبار الممزوجة بالتشويق والإثارة عن شيعة سوريا وفلسطين.

ويرجع الفضل إلى وليم الصوري، أهم المؤرخين المسيحيين للحملات الصليبية في القرن الثاني عشر الميلادي، في تعميم الصورة عن الشيعة، حين نسب إليهم الاعتقاد بخطأ جبريل (عليه السلام) في تبليغ الرسالة، حين أسقط الصوري معتقدات طائفة الغُرابية المهرطقة على الشيعة بشكل عام

وسار على نهجه مؤرخو الحملات الصليبية وفي مقدمتهم يعقوب دي فيتري مطران عكا في النصف الأول من القرن الـثالث عشر الميلادي، وذلك حين ترجم معلومات لبعض الطوائف ونسبها إلى الشيعة، وفي مقدمتها القول بأن عليا نبي فاقت مكانته مكانة محمد (صلى الله عليه وسلم)

وكانت أولى المعلومات التي وصلت الغرب عن الشيعة الاثنا عشرية من الخبرة والممارسة، تلك التي قدمها المؤرخ والمنصر الشهير ريكولدو ديمونتو كروس حين نقل للقارئ الغربي مسألة ما يسميه الشيعة “اغتصاب الخلافة”.

ومن خبرة ريكولدو الميدانية انتقلت إلى القارئ الغربي المقولة التي صارت مهمة منذ ذلك الحين، وهي أن “الشيعة أقل شيطنة من الأغلبية السنية”. والمقصود بالشيطنة هنا، العداء للغرب المتستر خلف الصليب لاغتصاب أرض المسلمين.

(ب) مرحلة الدولة الصفوية:
و مع صعود الدولة الصفوية وتطور الروابط السياسية والثقافية مع الغرب في زمن المواجهة مع الدولة العثمانية السنية، ففي تلك المرحلة زاد عدد الرحالة والدبلوماسيين الغربيين والناشطين في مجال التنصير، ونقلت تفاصيل شبه موضوعية عن الشيعة الاثنا عشرية كما تمت ترجمة كتب أصولية في الفكر الشيعي عن اللغة الفارسية.

(ج) مرحلة القرن التاسع عشر:
وفي خضم الثورة المعرفية الاستشراقية في القرن التاسع عشر حلت إيران محل بلاد الشام والعراق كمصدر للمعرفة من خلال تقديم مجموعة من الكتب والدراسات ذات رؤية نقدية وخبرات ميدانية مباشرة، كان أهمها ما قدمه جوزيف جوبينيو في مراجعته لصراع النقل والعقل في الفكر الشيعي الفارسي،وشكلت كتاباته المصدر الأولي لتفاصيل التمثيل المسرحي لمعركة كربلاء واستشهاد الحسين (رضي الله عنه)

ويعتبر جوبينيو أهم من ربط بين التشيع وديانات فارس ما قبل الإسلام، ففي كتابه “ثلاث سنوات في آسيا” يرجع جوبينيو مبدأ تبجيل الأئمة إلى تقديس كهنة الزرادشتية. كما اعتبر جوبينو في كتابه “ديانات وفلسفات آسيا الوسطى” الفكر الشيعي حركة انشقاقية وثأرا مبطنا لـ”الاحتلال العربي لأرض الفرس”.

ومع ما لهذه الرؤية من شعبية واسعة لدى منتقدي المذهب الشيعي من بعض السلفيين وكثير من القوميين العرب المتوجسين من الأطماع الإيرانية، فإن نفرا من الباحثين الغربيين دلل غير مرة على أن التشيع الفارسي على النمط الذي صوره جوبينو لم يبدأ سوى متأخرا مع إيران الصفوية.

ولا يفوتنا أن نذكر ما توصل إليه المستشرق فون كريمر عن الشيعة حيث يؤكد على “التعصب المفرط للشيعة وعدم تحملهم لغيرهم من أتباع الطائفة المحمدية”

(د) مرحلة القرن العشرين:
اتجهت الدراسات الغربية في مطلع القرن الـعشرين نحو الأبعاد التناظرية، فربط بعضهم، مثل المستشرق لويس ماسينون، بين السيدة مريم العذراء والسيدة فاطمة الزهراء، كما قابل آخرون رمزية صلب المسيح باستشهاد الحسين.

بل زاد بعض الباحثين الغربيين– بعيدا عن جدل شخصية عبد الله بن سبأ في الوسط العربي- معتبرا شخصية الحسين المحورية في العقيدة الشيعية انتحالا لشخصيات يهودية ومسيحية تحمل خطايا الأنصار وتفتديهم (المسيح المخلص) وتمضي خلف رسول بطل يقف في وجه الطغيان ويقود قومه إلى دار السلام (موسى عليه السلام)

وفي النصف الثاني من القرن الـعشرين تُرجم العديد من الكتب الشيعية وبصفة خاصة بعد عقد المؤتمر الدولي للحوار مع الشيعة الاثناعشرية عام 1968 في ستراسبورغ (فرنسا) بمشاركة كبيرة من علماء الشيعة وفي مقدمتهم السيد موسى الصدر.
(هـ) مرحلة الثورة الإيرانية:
ورغم الدور الإيجابي الذي لعبته الترجمات الأوروبية لأعمال المفكر الإيراني علي شريعتي وانتقاداته الساخرة لركود الفكر الشيعي في إيران الشاه، وبصفة خاصة في كتابيه “دين ضد الدين” و”التشيع العلوي والتشيع الصفوي”، انطلق زخم الاهتمام الغربي بالمذهب الشيعي سريعا بعد الثورة الإيرانية التي شغلت الجميع.

كانت شيعة الأحساء والقطيف في السعودية وشيعة البحرين والكويت وشيعة لبنان النماذج الأكثر أهمية في هذه الدراسات، ليس فقط لتفحص إمكانية نجاح النموذج الثوري الإيراني في هذه المناطق، بل لجمع معلومات بالغة التفصيل عن حياة المجتمع الشيعي، بدءا من الطموحات المشروعة للحصول على فرص متكافئة في العمل والمشاركة السياسية وصولا إلى خبايا الدور السياسي والديني للحسينيات وتوجهات علماء الدين الشيعة وارتباطهم الملتبس بالمرجعيات الإيرانية والعراقية.

بعض من هذه الدراسات انتهزت الظرف السياسي لإحياء معلومات تاريخية، كدراسة جون كول حول الشيعة كأقلية عثمانية، التي قدمت مراجعة موسوعية لأوضاع الشيعة خلال التناحر الصفوي العثماني وأثره على تأجيج الكراهية المتبادلة بين أبناء المذهبين التي جعلت الشيعة والسنة في العراق والخليج ضحايا غرر بهم خلال الصدام السياسي بين القوتين الإقليميتين.

يقول برنارد لويس (1987)
“لا يجوز تصنيف الإسلام إلى أرثوذكسية سنية وهرطقة شيعية، أو تصنيف أتباعه إلى سنة كاثوليك وشيعة بروتستانت، ليس لأن هذا أبعد من معرفتنا كدارسين غربيين، بل لأنه ليس في مقدورنا تحديد منْ المهرطق ومنْ المحافظ في الإسلام”.

(و) مرحلة سقوط بغداد
وبعد سقوط بغداد احتل والي نصر، الباحث الأميركي المهاجر من إيران، مكانة برنارد لويس على الساحة الإعلامية (مع البون الكبير بين القدرات الفكرية للرجلين لصالح العجوز المخضرم)

وقد تمكن والي نصر من تقديم سلسلة من الدراسات عن الآثار الإقليمية لسقوط النظام السني في العراق وأثر تحول العراق إلى أول دولة شيعية في العالم العربي المعاصر، وما لذلك من إلهاب المشاعر السياسية والمذهبية في دول الجوار، وكان أخرها كتابه الموسوم “الصحوة الشيعية.. كيف سيغير الانشقاق الإسلامي المستقبل” الصادر قبل بضعة أشهر.

كما أكد والي نصر قبيل غزو العراق كان الغرب ينظر إلى حركات الإسلام السياسي الشيعية على أنها الخطر الأكبر على الغرب لولا الخدمة الجليلة التي قدمتها أحداث سبتمبر/ أيلول وصرفت الأنظار نحو “الشياطين” الأكثر خطرا من السلفيين.

ما تزال الدراسات الغربية عن الشيعة والتشيع تتدفق بحماسة، وتعقد لها عديد من الحلقات النقاشية، وتلتئم من أجلها موائد بحث مستديرة في أكبر مراكز الأبحاث الأميركية، وأشهرها مجلس العلاقات الخارجية الذي يشرف على المشروع البحثي المعني بتبعات صعود الشيعة.

هذه هي نظرة الغرب للشيعة وأعتقد أن كلام المؤرخين يحمل بين ثناياه الكثير من المعاني الخفية المتوارية والتي تدعم التحالف الشيعي النصراني الغربي للنيل من الإسلام والمسلمين سواء في الماضي البعيد أو الحاضر القريب أو المستقبل المنتظر.

ثانيا:دور الشيعة في الحروب الصليبية:
يقول الشيخ الدكتور سفر بن عبدالرحمن الحوالي:ليس للشيعة دور مشرف في الحروب الصليبية، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -: لم يُعرف عنهم أنهم جاهدوا أو قاتلوا الصليبيين، بل هناك وقائع كثيرة جداً تُثبت أنهم عندما يأتي الصليبيون إلى بعض الإمارات التي كانت بشمال لبنان وفي شمال بلاد الشام من الدويلات الشيعية، يسلِّمون لهم هذه البلاد، مقابل أن يتحالفوا معهم على أهل السنة، فلم يوجد لهم أي دور، وإنما حدثت بعض المناوشات والخلافات بين العبيديين والصليبيين عندما اختلفوا كما يختلف الناس عادةً اختلافاً سياسياً، أو اختلاف مصالح،فلم يكن العبيديون يحاربونهم من منطلق أنهم صليبيون معتدون، والأساس في العلاقة بين العبيديين الذين يدَّعون أنهم فاطميون وبين الصليبيين هي علاقة المسالمة والسفارات المتبادلة والهدايا والصلح الدائم، وطوال الحروب الصليبية التي امتدت قروناً كان هذا هو السائد الغالب.

أما غلاة الشيعة الذين منهم الحشاشون، فهؤلاء عملوا على الفتك بالمسلمين، ولم يتعرضوا بأي أذىً للصليبيين إلا أحياناً، إذا حاول الصليبيون أن يستولوا على قلاعهم ليأخذوا منها ما فيها من خيرات وما فيها من كنوز، فهي عبارة عن معارك لصوص مع لصوص، وليست مسائل عقدية.

لقد حالفوا الصليبيين، وأمدوهم وراسلوهم، وكانوا عوناً لهم ضد المسلمين؛ حتى أن القدس المدينة المقدسة عند المسلمين كانت بيد السلاجقة السنة ، الذين كانوا يحكمون أكثر بلاد الشام ؛ وعندما قدمت الحملات الصليبية، جاء جيش العبيديين، فاحتل القدس وأخذها من السلاجقة، ولم يستطع جيش العبيديين أن يدخلها إلا بعد أن دك أسوارها، وحطم قلاعها وما حولها من الحصون، وكان ذلك بمثابة تهيئة لأخذ الصليبيين لها؛ فعندما جاء الصليبيون لم يجدوا أي مقاومة من قِبل أولئك العبيديين الذين سلموا لهم القدس ، وجاء الأهالي يريدون أن يدافعوا عن المدينة وإذا بها لا أسوار لها ولا حصون، فسلمها أولئك العبيديون لقمة سائغة لهؤلاء المجرمين.

ومن الفاطميين ظهرت طائفة الحشاشين أو الحشاشون ، وهي طائفة إسماعيلية نزارية مشرقية، انفصلت عن الفاطميين في القرن الثامن الميلادي لتدعو إلى إمامة نزار بن المستنصر بالله ومن جاء مِن نسله، واشتهرت ما بين القرن الثامن والقرن الرابع عشر، وكانت معاقلهم الأساسية في بلاد فارس وأيضاً في الشام بعد أن هاجر إليها بعضهم من إيران

أسس الطائفة الحسن بن الصباح الذي اتخذ من قلعة الموت في فارس مركزًا لنشر دعوته وترسيخ أركان دولته وكان جزءاً منها تلك الفرقة الخبيثة الباطنية الذين كانوا يسمون بـالحشاشين ، وكان للحشاشين الباطنيين وجود قوي وقت قدوم الحملة الصليبية، ثم كان لهم دور خبيث في تعطيل حركة الجهاد ضد الصليبيين، وفي الحروب الصليبية.

كان زعيمهم الخبيث المشهور الحسن بن الصباح صاحب قلعة ألموت في بلاد فارس ، ثم بهرام الإسترباذي ، ثم راشد الدين سنان وغيرهم، ويذكر المؤرخون أن هؤلاء الزعماء لم يغتالوا شخصية واحدة من شخصيات الصليبيين ولا أميراً واحداً، وإنما كان غرضهم أن يقتلوا أمراء الجهاد المسلمين.

وكان الأذان يعلن في حلب وفي غيرها من مدن الشام ومصر والحجاز والمغرب وأفريقية كلها على الطريقة الرافضية، وكانت شعائر هذه الملة الخبيثة ظاهرة، وكان تعاونهم مع اليهود والنصارى ظاهراً، وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مواضع كثيرة في منهاج السنة ، كما ذكره ابن القيم رحمه الله في مفتاح دار السعادة ، حيثما جاءت المناسبة لذكر هذه الأفعال القبيحة، كما ذكره غيرهم، والآن تعالوا بنا نرى ما فعلت بعض طوائف الشيعة بالإسلام والمسلمين:

(أ) : الدولة الفاطمية العبيدية:
إن بعض المؤرِّخين -سواء من القدامى أو من المحدثين- يتعجَّبون من ردِّ فعل الدولة العبيدية تجاه الحملة الصليبية، ومن حالة المعاملة الفجَّة التي ظهرت في أقوالهم وأفعالهم، ومن بعض المواقف التي لا تُوصَف بأقل من أنها مخزية ومشينة، ومع ذلك فالذي يُرَاجِع التاريخ يجد أنه لا عجب مطلقًا فيما رأيناه من ردِّ فعلٍ الدولة العبيدية تجاه الحروب الصليبية.

لقد كان من أهداف الدولة العبيدية الرئيسية منذ قامت: أن تُحَارِب المسلمين السُّنَّة في كل مكان، فقد حاربت أهل السُّنَّة في المغرب، وقتلت العلماء والعُبَّاد، وكان ذلك في سنة 296هـ، ثم جعلت من همِّها أن تحارب الدولة السُنِّيَّة في الأندلس، بل وتعاونت مع الصليبيين في شمال الأندلس ضد دولة عبد الرحمن الناصر – رحمه الله – ، ثم اجتاحت شمال إفريقيا، واحتلت مصر سنة 358هـ/ 969م، وفعلت بعلمائها السُّنَّة مثلما فعلت في المغرب، ثم توسَّعت في نفس السنة في الشام، واحتلت بيت المقدس ودمشق، ودام هذا الاحتلال أكثر من مائة سنة

لقد بقِيَ العبيديون في بيت المقدس حتى حرَّرها ألب أرسلان – رحمه الله- عن طريق قائده أتسز (الأقسيس)، وذلك في سنة (463هـ) 1071م، ثم دخل بيت المقدس في مُلْكِ تتش بن ألب أرسلان سنة (471هـ) 1079م، وتولَّى الإمارة حينئذ أرتق بن أكسب، ثم ابنه سكمان بن أرتق سنة (485هـ) 1091م تحت ولاية دقاق بن تتش مَلِكِ دمشق.

ولكن العبيديين لم يُسَلِّموا بضياع بيت المقدس وفلسطين من أيديهم؛ ولذلك رحبوا بقدوم الصليبيين إلى آسيا الصغرى والشام لكي يشغلوا الأتراك السُّنَّة وينفردوا هم ببيت لمقدس وفلسطين؛ فالعبيديون الفاطميون قد استغلوا تقدم الصليبيين من الشمال، فتقدموا هم من الجنوب، وكانوا قد دخلوا القدس، وطردوا السلاجقة منها، قبل وصول الصليبيين، وجرت مفاوضات بين العبيديين، وبين الصليبيين على أن يكون شمال بلاد الشام للصليبيين، وجنوبها للعبيديين، ثم نقض الصليبيون العهد عندما شعروا بالنصر.

ولمّا قام الأمير كربوق، صاحب الموصل آنذاك من قبل السلاجقة، بتجهيز قوة لمنع سقوط أنطاكيا بيد الصليبيين، وقف العبيديون موقف المتفرج، ولم يكتفوا بذلك، بل استغلوا الفرصة، وسيّروا جيشاً إلى بيت المقدس الذي كان بيد السلاجقة، وحاصروه ونصبوا عليه أكثر من أربعين منجنيقاً حتى تهدمت أسواره، وسيطروا عليه.

وبذلك نجد أن العبيديون قد استغلوا فرصة انشغال الأتراك في حرب الصليبيين، وبدلا من أن يساعدوا إخوانهم من السنة في قتال الصليبيين، وجدناهم يشكلون طعنة في ظهورهم، فوجَّهوا قوتهم لغزو بيت المقدس سنة (490هـ) 1097م، واستولَوْا عليه بالفعل، وعندما استولى الصليبيين على بلاد الشام ،لم يتورَّع العبيديون عن القيام بمفاوضات مع الصليبيين لإقرارهم على الشام في مقابل إقرار الصليبيين لهم على فلسطين.

أمَّا الصليبيون الذين قد أخذوا قرار احتلال فلسطين، وخاصَّةً بيت المقدس، فلا مجال عندهم الآن للتفاوض مع العبيديين، ومن ثَمَّ كان ردُّهم الساخر على سفارتهم. فلقد وصلت السفارة العبيدية الشيعية المصرية إلى الصليبيين محمَّلة بالأموال الغزيرة والهدايا الثمينة لكل قائد من قوَّاد الحملة الصليبية، وبعرضٍ من الدولة العبيدية أن تسهِّل حجَّ الصليبيين وكل النصارى إلى بيت المقدس (المحكوم حتى هذه اللحظة بالدولة العبيدية)، على أن يدخل الحجاج إلى القدس غير مسلَّحين، وسوف تقرُّ الدولة العبيدية الصليبيين على ما تحت أيديهم من بلاد، سواء في آسيا الصغرى أو سوريا أو لبنان. فكان رد الصليبيين عليهم: أنهم سيتمكَّنون من أداء الحج كما يريدون ولكن ليس بمساعدة الدولة العبيدية، وهذا يعني إعلانًا مباشرًا للحرب، إذ كيف سيدخلون البلد دون سماح حُكَّامها؟!

(ب) القرامطة:
مؤسس مذهب القرامطة هو حمدان بن الأشعث الذي يلقب “بقرمط”. قدم من الأهواز إلى الكوفة سنة 278) هـ/891م(وأقام بها، دخل في بداية حياته في مذهب الإسماعيلية على يد حسين الأحوازي.وقد عُرف حمدان بقوة شخصيته وعلاقاته الاجتماعية، ثم انقلب على الإسماعيلية الباطنية وقام بإنشاء مذهباً خاصاً به، مركزه في الكوفة في عام 890 م وأطلق عليه اسم “دار الهجرة”. داعياً إلى إمام من آل البيت، فلقيت دعوته نجاحًا عند أنصار العلويين. وبعد أن وثق من بعضهم بدأ في بث دعوته وأفكاره التي كانت تختلف عن الإسلام السائد في ذلك الزمن.

انتشرت الفرقة القرمطية في الكوفة وواسط والبصرة في العراق، ومن ثم في البحرين-الأحساء- والقطيف.ثم اشتد خطر هذه الحركة بعد ظهور زعيمها في البحرين “أبي سعيد الجنَّابي)” سنة 286 هـ 899م( الذي استطاع أن يبسط نفوذه على البحرين وهجر، وكسب أنصارًا كثيرين، وتحول إقليم البحرين إلى مركز للقرامطة ومعقلاً لنشاطهم، وخرجت منه حملاتهم الحربية لنشر أفكارهم.

وانتشروا في الأحساء وحتى اليمن. ثم ساروا إلى بعلبك وسلمية. ثم في دمشق في عام 873 م، ثم توجهوا إلى مصر ثم المغرب وعُمان.

ولم ينجح المعتضد في القضاء على هذه الحركة؛ لأنه لم يُقدّر خطورتها حق قدرها، وصرف جهده إلى قمع ثورات كانت تبدو لديه أكثر خطورة منها.

أفعال القرامطة:
في سنة (317هـ) جاءوا إلى مكة فدخلوا البيت الحرام واستحلوه في يوم التروية، وقتلوا الحجاج وألقوا بجثثهم في بئر زمزم، وكان الخبيث زعيمهم يقتل الناس ويقول:
أنا بالله وبالله أنا أخلق الخلق وأفنيهم أنا
فقتلهم عند الكعبة، وكان أصحابه يقولون لمن يقتلون من المسلمين: تقولون في دينكم: إن الله يسلط العذاب على منْ يقتل أو منْ يستحل هذا البيت، فأين الطير الأبابيل وأين الحجارة من سجيل؟ ثم جاء أشقاهم وجعل يضرب الحجر الأسود، ويقول: أين الطير الأبابيل، أين الحجارة من سجيل؟ ثم أخذوا الحجر واقتلعوه وذهبوا به إلى البحرين التي هي اليوم تسمى الأحساء وبقي هنالك (22 سنة)

هذا ما حصل منهم بحق الكعبة المشرفة، بخلاف ما حدث منهم من إباحة الأموال والدماء والفروج فيما بينهم، وكذلك استباحوا حرمات الأمة، وانقطع الحج سنين عديدة، فكان ركب الحجاج يخرج من بغداد ومعه قوة تحميه، فيأتوا فيقطعون عليه الطريق ويقتلون قوة الحماية ويستبيحون أولئك الحجاج، ويمنعونهم من الذهاب إلى مكة ، وحصل ذلك في سنوات عديدة، كما هو مفصل في التاريخ.

وقد قامت هذه الطائفة بهذا العمل الحاقد انتقاماً لبيت النار المجوسية ، وثأراً وتشفياً في بيت الله الحرام، الذي هو رمز لدين الحنيفية الذي جاء به محمد – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فكأن ما حدث تحقيقاً لما قاله عبد الله بن مقفع من قبل، وهو من أحد المؤسسين للفكر الباطني المجوسي، حينما مر عبد الله بن مقفع على بيت من بيوت النار، والنار مشتعلة فيه فتذكر دين آبائه وأجداده المجوس، فتمثل ببيتين للشاعر الأحوص يقول فيها:
يا بيت عاتكة الذي أتغزل حذر العدى وبه الفؤاد موكل
إني لأمنحك الصدود وإنني قسماً إليك مع الصدود لأميل

فيقول: أنا أمر من عند النار وأظهر بأني أصد عنها، ولكنني مع صدودي فإن قلبي معلق بها، هذا هو حال هؤلاء القوم، فجميع فرق الباطنية قلوبهم متعلقة بـالمجوسية وبـاليهودية ، ويريدون أن يثأروا من هذا الدين -دين الإسلام الحنيفية السمحة- .

وبعد فترة خضعت أيضاً الحجاز والبلد الحرام للباطنية اليمنيين -الدولة الباطنية التي قامت في اليمن – ولكم أن تتعجبوا كيف تقوم في وقت واحد دولة باطنية في مصر وبلاد الشام ، ودولة باطنية في شرق العالم الإسلامي، ودولة باطنية في اليمن في نفس الفترة، هذا بلا شك يجب أن نقف عنده وقفةً مهمة، لنعلم أن الأمر ليس صدفة عابرة، ولكنه تخطيط ومؤامرة كبيرة تعاون فيها اليهود والنصارى والمجوس وأشباههم، ففي وقت واحد تقوم هذه الدول في كل مكا،ن ويكون لها نفس الهدف.

(ج) طائفة الحشاشين:
الغرب والصليبيين هم الذين أطلقوا على هذه الجماعة اسم الحشاشون (بالإنجليزية Hashshashin واشتقوا منها كلمة Assassin ويقصد بها منفّذ الاغتيال) وأصل الكلمة موجود في القاموس البريطاني؛ واستقوها من مصادرهم كالرحالة الإيطالي ماركو بولو (1254 – 1324) الذي يعد أول من أطلق تسمية الحشاشين على هذه المجموعة عند زيارته لمعقلهم المشهور بقلعة ألموت عام 1273م وبعض القادة الصليبيين حيث ذكر:

إن هذه الجماعة كانت تقوم بعمليات انتحارية واغتيالات ضد السلاجقة والأيوبيون تحت تأثير تعاطيهم الحشيش، حيث كان زعماء الباطنية يستخدمون الحشيش لمنح أتباعهم من الفدائيين والمبعوثين جرعات مسبقة من مباهج الجنة التي تنتظرهم حينما ينجحون في عمليات الاغتيال

وقد وصف ماركو بولو قلعة ألموت: بأنه كانت فيها حديقة كبيرة ملأ بأشجار الفاكهة، وفيها قصور وجداول تفيض بالخمر واللبن والعسل والماء، وبنات جميلات يغنين ويرقصن ويعزفن الموسيقى، حتى يوهم شيخ الجبل أتباعه أن تلك الحديقة هي الجنة، وقد كان ممنوعاً على أي فرد أن يدخلها، وكان دخولها مقصوراً فقط على من تقرّر أنهم سينضمون لجماعة الحشاشين.

كان شيخ الجبل يدخلهم القلعة في مجموعات، ثم يشربهم مخدر الحشيش، ثم يتركهم نياماً، ثم بعد ذلك كان يأمر بأن يُحملوا ويوضعوا في الحديقة، وعندما يستيقظون فإنهم سوف يعتقدون أنهم قد ذهبوا إلى الجنة، وبعدما يشبعون شهواتهم من المباهج كان يتم تخديرهم مرة أخرى، ثم يخرجون من الحدائق ويتم إرسالهم عند شيخ الجبل، فيركعون أمامه، ثم يسألهم من أين أتوا؟، فيردون: “من الجنة”، بعدها يرسلهم الشيخ ليغتالوا الأشخاص المطلوبين ويعدهم أنهم إذا نجحوا في مهماتهم فإنه سوف يعيدهم إلى الجنة مرة أخرى، وإذا قتلوا أثناء تأدية مهماتهم فإنهم سوف تأتي إليهم ملائكة تأخذهم إلى الجنة..

في عام 1092 وفي يوم خريفي من شهر أيلول تمكن رجل يدعى الحسن ابن الصباح بن علي بن محمد بن جعفر بن الحسين بن الصباح الحميري الإسماعيلي) فارسي لأصل، قيل إنه يماني الأصل من حمير. كان عالما بالهندسة والحساب والنجوم. ولد بمدينة طوس وتتلمذ لأحمد بن عطاش، وقد كان أيضا يسمى ب “شيخ الجبل” ) من السيطرة على قلعة “الموت” المنيعة، في مازندان بجبال خوست شمال إيران، لتبدأ حكاية “الحشاشين” عبر مجرى التاريخ متأرجحة بين الحقيقة والوهم وليعاد نبشها الآن بفضل “رسل الموت” الجدد.

بيد أن تنظيم “الحشاشين” وعلى مدار أكثر من مائة وستة وستين عاما،قد تحول إلى حركة سرية فريدة من نوعها في التاريخ، وكغيرها من الحركات السرية، بقيت لغزا وأشكالا محاطة بالقليل من الحقائق والكثير من الوهم… وقد عزز الغموض أو الوهم حول “الحشاشين” عدم وجود أدب إسماعيلي خاص يروي تاريخهم.

كان الحسن بن الصباح يقوم باختيار الأطفال حتى يتم تدريبهم تدربة شاقة للقيام بعمليات الاغتيالات,و كان يُراعى فيهم ألا يكونوا قد ذاقوا الخمر أو النساء أو أي من ملذات الحياة، وقد كانت بعض الأسر ترسل أبنائها إلى الحسن، حتى يجاهدوا في سبيل توسيع الدعوة الصباحية المقدسة!

وقد أوكل أمر هؤلاء الفتية إلى بعض المعلمين يعلمونهم أصول مذهبهم واللغة والشعر… كما تعلموا العلوم العسكرية على يد قادة بارعين جدا وكانت تدريباتهم العسكرية رفيعة المستوى بدرجة كبيرة، حتى إن الفدائي نفسه كان يتأذى أثناء التدريب.

وكان مما يقوله هؤلاء المعلمون إلى فتيانهم:”إنه لا بد من أن يكون لعقل الإنسان وفكره وتطلعاته تحليق النسر إذا لم يعترضه عائق كبير، هذا العائق هو جسدنا بكل مواطن ضعفه، فجسدنا الميال إلى الكسل – كما يوضح القائد – يخشى الصعاب التي بها تتحقق الأهداف السامية، وقهر هذا الهواء وتحرير العقل من قيودها هو الهدف من تدريباتنا إلى أن يصبح المرء قادرا على إنجاز المآثر العالية التي تقتضي التضحية بالنفس بشكل أعمى عندما يأمر سيدنا الأعلى ابن الصباح، عندما يموت الفدائي وهو يقوم بواجبة يسمى شهيدا وعندما ينجح ويبقى على قيد الحياة يُـرقى إلى داعية أو أكثر “. وقد غرس في نفوسهم أنه هو السيد والإمام والمولى وأن الله – تعالى – قد أعطاه مفتاح الفردوس يفتحه لمنْ يشاء من أتباعه الإسماعيليين.

وعلى الجانب الأخر من القلعة اعتنى بما خلفه ملوك الدايلم من حدائق تخترقها الأنهار وتملأها الطيور والأزهار واشترى العديد من الفتيات شديدة الجمال والفتيان واسكنهم القلعة وجلب لهم منْ يعلمهم الفنون والشعر والرقص ويجعل حياتهم ناعمة مثل الأميرات الناعمات. وقبل كل شيء كان يقوم بتعليمهم طاعته والولاء التام له والطاعة العمياء لأوامره.عندما كان يفكر في خطة لاغتيال أي شخص أو زعيم فانه ينتدب لها أي شخص من الفدائيين فيدخله (فردوسه) هذا، ثم يستدعيهم في المساء ويجعلهم يتناولوا الحشيش، ومن ثم يغيبون عن وغيهم ولا يفوقون إلا في الفردوس على أصوات الفتيات الجميلة التي تمثل لهم الحور العين، فيأخذن بالغناء والرقص له، وهو الفتى الذي لم يواجه في حياته أي فتنة أو أغراء… ويقوم بعمل كل شيء حرم عليه في الجانب الأخر من القلعة، وكان الفتى بعد كل ما تعرض له يؤمن بأنه كان في الجنة وأن سيده فتح له باب الفردوس الحقيقي…

ثم تقوم الفتيات بتخديره وحمله إلى سيده فيفيق وقد أمن تماما بأن سيده معه مفتاح الفردوس الأعلى!! ثم يكون من الطبيعي وقتها أن يستجيب الفدائي لكل ما يطلبه منه سيده حتى ولو كان في هذا مصرعه.

وقد ذكر ابن الجوزي في كتاب (المنتظم): أن ابن الصباح عندما كان يستقبل مبعوثين من خصومه السلاجقة يطلبون منه التنازل عن الموت والرجوع عن دعوته عمد إلى الردّ عليهم بواقع حال فدائييه الذين أذاقهم فردوسه، فاستدعى اثنين منهم وقال لأحدهم:

هل تريد العودة إلى الفردوس والخلود فيها ؟ ! فأجاب الفتى: أن نعم، فقال له اذهب إلى أعلى ذلك البرج وألقِ نفسك إلى الأرض، فانطلق الغلام برغبة طافحة وجذل ظاهر وارتقى البرج وقذف بنفسه إلى الأرض فتقطع جسده ميتا.

ثم التفت إلى الفدائي الآخر ملوحاً بالفردوس وسأله : ألديك خنجر ؟! فأجاب أن نعم، فقال له : اقتل نفسك، فانتزع الفتى خنجره وغرسه في عنقه وفار دمه ثم خر صريعا … عندها قال ابن الصباح للرسل بين يديه: أبلغوا من أرسلكم أن عندي من هؤلاء عشرين ألفا هذا مبلغ طاعتهم لي!!

كان من عادات “الفداوية” في تنفيذ العمليات، هي الاختباء في ملابس الصوفية أو ارتداء ثياب النساء والدراويش، أو انتظار المطلوب بين صفوف المصلين، أو تقديم أنفسهم كطالبي حاجات وعابري سبيل، أو العمل داخل القصور تحت أسماء مستعارة حتى تحين فرصة الانقضاض على الضحية، يعترضون ضحيتهم وهو بين حرسه وشرطته وربما داخل ثكنة الجيش برسالة استرحام أو برسالة من صديق يتوسط بقضاء حاجة حاملها، ولما يقترب من المطلوب قتله تُغرز الخناجر في مقتل من جسده. ولا يترددون في التضحية بواحد من السرية المبعوثة لتنفيذ المهمة إن أقتضى الأمر.

وذكر الإمام الذهبي في ترجمته: أن عبيد الله أبو محمد أول من قام من الخلفاء الخوارج العبيدية الباطنية الذين قلبوا الإسلام وأعلنوا بالرفض، وأبطنوا مذهب الإسماعيلية.

وأما العاضد فيقول عنه ابن خلكان: كان شديد التشيع متغاليا في سب الصحابة وإذا رأى سنيا استحل دمه.

وقد قتل أولئك العبيديون الكثير من علماء المسلمين على مدى حكمهم وتواطئوا مع أعداء الإسلام واستعانوا في حكمهم باليهود والنصارى وغلاة الشيعة ومن اشهر وزرائهم يعقوب بن كلس اليهودي الأصل وبدر الجمالي وابنه الأفضل الأرمني الشيعي.وعندما زحف الصليبيون باتجاه القدس وحاصروها وكان قائد حاميتها الأفضل الجمالي وزير المستعلي فتسلمها الفرنجة من دون مقاومة تذكر، وكان وزيرهم شاور يستنجد بالصليبين خوفا على منصبه من السلطان المجاهد نور الدين محمود وعندما تملك مصر السلطان صلاح الدين وانقطعت الدولة العبيدية اتفق بقايا العبيدية على إرجاع الدولة فراسلوا الفرنجة في صقلية يطلبون المساعدة ولكن المؤامرة كشفت وقتل منْ تولى كبرها.

والآن تعالوا بنا نذكر بعض الأحداث الموثقة على سبيل المثال والتي قام بها هؤلاء الباطنية ضد الإسلام والمسلمين من خلال تعاونهم الكامل مع أعداء الإسلام والمسلمين، علاوة على قتلهم لكل قائد يسعى في إحياء روح الجهاد في شعوب الأمة المسلمة:

(1) دور الرافضة في إسقاط الدولة العباسية بالتآمر مع التتار:
لقد سعى الرافضة منذ نشاتهم إلى إضعاف الدولة الإسلامية بشتى الطرق والوسائل وكان للدولة العباسية نصيبا من هذا الدور تُوج بالتآمر السافر، والتواطؤ مع أعداء الله مثل هولاكو وأعوانه من التتار والذي انتهى باحتلال بلاد المسلمين والإمعان فيها قتلا وتدميرا، وتجلى ذلك في احتلالهم لبغداد عاصمة الخلافة في سنة 656 هـ وإسقاط الخلافة العباسية وقتل آخر الخلفاء العباسيين المستعصم بالله (رحمه الله)، وبنظرة سريعة إلى هذا الحدث العظيم الذي غير مجرى تاريخ الأمة المسلمة ودور الرافضة فيه يتضح لنا ومن غير أدنى شك مدى خطورة هؤلاء القوم على المسلمين في كل زمان ومكان.

قام الرافضة بدورهم في هذا الحدث الجلل من خلال رجلين رافضيين خلد التاريخ ذكراهم بصفحات سوداء ملؤها الخبث والمكر والكراهية للمسلمين:

الأول: هو ابن العلقمي الرافضي لعنه الله:
الذي كان وزيرا للخليفة العباسي الذي استوزره ووثق به، وبدلا من الوفاء للأمانة المناطة به في حفظ الدولة والمنافحة عنها، فإنه راح يتآمر مع التتار لاحتلال بغداد وإسقاط الخلافة، ليبدي بعض ما يكن به صدره من حقد وكراهية، كان يضمرها في نفسه لأهل السنة، وينتظر الفرصة السانحة ليعبر عنها قولا وعملا، ومع كل ما قام به هذا الخبيث من تآمر وخيانة لدولة المسلمين إلا أن الله- تعالى – لم يمهله طويلا فقد أذله الله على أيدي التتار أنفسهم ومات في غيظه وكمده قبحه الله.

أما دوره في سقوط بغداد، فابن العلقمي هذا هو الذي استقبل هولاكو وجيشه أثناء دخول بغداد وهو الذي أشار على الخليفة بالذهاب إلى هولاكو لغرض المصالحة بغية الإيقاع به وحين ذهب الخليفة مع سبعمائة راكب من القضاة والأمراء والأعيان حجبوا عن الخليفة إلا سبعة عشر نفسا وقتل الباقون عن أخرهم.

والثاني: هو نصير الدين الطوسي الرافضي لعنه الله:

الذي كان وزيرا ومستشارا لهولاكو فهو الذي أشار عليه في قتل الخليفة بعد ما تهيب هولاكو من قتله، وقد قتل الخليفة ومعه ولده الأكبر أبو العباس احمد وولده الأوسط أبو الفضل عبد الرحمن واسر ولده الأصغر مبارك وأسرت بناته الثلاث فاطمة وخديجة ومريم، وقتل أستاذ دار الخلافة الشيخ محيي الدين بن يوسف بن الشيخ أبى الفرج بن الجوزي، وقتل أولاده الثلاثة كذلك إضافة إلى قتل أكابر الدولة وعلماءها وأمراءها وكانوا يذبحون كما تذبح الشاة ويؤسر منْ يختارون من بناتهم وجواريهم، أما من قتل ببغداد من المسلمين فما لا يُحصى عدده.

وكما قال ابن كثير – رحمه الله – في إحدى الروايات فان عددهم بلغ ألفى ألفي نفس (أي مليونا إنسان) من الرجال والشيوخ والنساء والولدان وكان الناس يختبئون في الخانات ويغلقون على أنفسهم الأبواب فيفتحها التتار إما بالكسر وأما بالنار، ثم يدخلون عليهم فيهربون إلى أعالي الأمكنة فيقتلونهم بالأسطح حتى تجري الميازيب من الدماء إلى الأزقة – فإنا لله وإنا إليه راجعون – ومازال السيف يعمل فيهم أربعين يوما ولما انقضى الأمر وانقضت الأربعون يوما بقيت بغداد خاوية على عروشها والقتلى في الطرقات وكأنها التلول، وقد سقط عليهم المطر فتغيرت صورهم وتغير الهواء فحصل بسببه الوباء الشديد حتى سرى وتعدى إلى الشام، فمات خلق كثير من تغير الجو وفساد الريح، ولما نودي ببغداد بالأمان خرج الناس من تحت الأرض، ومنْ كان بالمطامير والقنى والمقابر كأنهم الموتى إذا نبشوا من قبورهم، وقد أنكر بعضهم بعضا فلا يعرف الوالد ولده ولا الأخ أخاه.

وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية عن الرافضة (ولهذا يعاونون الكفار على الجمهور من المسلمين فيعاونون التتار على الجمهور وهم كانوا من أعظم الأسباب في خروج جنكزخان ملك الكفار إلى بلاد المسلمين وفي قدوم هولاكو إلى بلاد العراق وفي أخذ حلب ونهب الصالحية وغير ذلك بخبثهم ومكرهم.)

وها هو الخميني يثني على نصير الدين الطوسي الذي تسبب مع أخيه في دينه ابن العلقمي في سقوط بغداد؛ يقول: وإذا كانت ظروف التقية تلزم أحد منا بالدخول في ركب السلاطين، فهنا يجب الامتناع عن ذلك حتى لو أدى الامتناع إلى قتله إلا أن يكون في دخوله الشكلي نصر حقيقي للإسلام والمسلمين مثل دخول علي بن يقطين ونصير الدين الطوسي – رحمهما الله –

(2) مقتل الوزير نظام الملك

أول منْ قتلوه وفتكوا به الوزير نظام وزير السلاجقة المشهور،فلم يكن الوزير نظام الملك شخصاً عابراً في مسيرة دولة السلاجقة، ذلك أنه رسخ أركان الدولة، وكان من عوامل الاستقرار فيها، وكانت له الجهود الكبيرة في نشر مذهب أهل السنة، ومحاربة المذاهب المنحرفة والأفكار الباطلة، لذلك فإن رجلاً فذّا مثل نظام الملك لا بد أن تتوجه إليه سهام الغدر والمؤامرات.

وهذا ما كان على يد الشيعة الإسماعيليين من فرقة الحشاشين([1][1]assassin” اسماً شائعاً في معظم اللغات الأوربية، وتعني القاتل، أو بالتحديد “الذي يقتل خلسة أو غدراً، وغالباً ما تكون ضحيته شخصية عامة، وهدفه التعصب أو الجشع”.)

حققت جريمة اغتيال نظام الملك للحشاشين والفرق الباطنية مكاسب كبيرة، فهي أولاً خففت الوطأة عن الحشاشين، وجعلت عساكر السلطان ملكشاه والوزير نظام الملك تنصرف عن القلاع التي كانوا يستولون عليها، والأهم من ذلك أن هذه الجريمة شكلت بداية النهاية لدولة السلاجقة التي بدأت بالانهيار مع مقتل نظام الملك، خاصة وأن السلطان ملكشاه توفي بعد شهر من مقتل وزيره (أي في شوال سنة 485هـ)، ولم يستطع خلفاؤه الحفاظ على ما بناه وحققه ملكشاه ونظام الملك، وقبلهما طغرل وألب أرسلان، لتبدأ دولة السلاجقة بالانهيار.

(3) اغتيال أمير الري:
لقد امتدت عمليات الاغتيال هذه مدة قرنين هما الخامس والسادس الهجريين (الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين). فقد قاموا باغتيال أمير الري في دار الوزير فخر المُلْك بن نظام المُلْك، ولما مثلَ القاتل حياً أمام الوزير قال له: “إننا قد أُنفذنا إلى ستة نفر أحدهم أخوك وفلان وفلان. فقال له: وأنا في جملتهم؟ فقال: أنت أقل من أن تُذكر، أو نُدنس نفوسنا بقتلك. فُعذّب على أن يقر من أمره بذلك، فلم يقر فقتله”

(4) اغتيال الوزير فخر المُلك ابن الوزير نظام الملك:
بعد سبع سنوات، أي سنة خمسمائة من الهجرة، باغت انتحاري الوزير فخر المُلْك بهيئة متظلم رفع صوته شاكياً: “ذهب المسلمون، ما بقيَّ مَنْ يكشف ظلامة، ولا مَنْ يأخذ لضعيف حقاً، ولا مَنْ يفرج عن ملهوف”. سمعه الوزير، وهو يهم بالخروج من دور بعض نسائه، فلما أدناه منه “دفع إليه رقعة، فبينما هو يتأملها ضربه بسكين في مقتله فقضى نحبه” وهو بين حراسه.

أما الانتحاري فكان مصيره أن “فُصّل على قبر فخر المُلْك عضواً عضواً” لقد كان لتعرض نظام المُلْك لجند الموت وبالاً عليه وعلى أولاده الوزراء، فبعد مقتله ومقتل ولده تعرض ولده الآخر نظام المُلْك أحمد لضربة سكين بعنقه نجا منها بأعجوبة، فلما قبض على الانتحاري أسقي خمراً، فأقرَ على “جماعة من الباطنية بمسجد في محلة المأمونية، فقتلوا وقتل معهم”

(5) اغتيال والي حمص:
وثب ثلاثة انتحاريين سنة 495هـ، على والي حمص جناح الدولة، إثناء أداء صلاة الجمعة فأردوه قتيلاً.

(6) مقتل الأمير مودود:
يقول فيه ابن الأثير “وكان خيّراً عادلاً كثير الخير” وقد كان سبّاقاً لقتال الصليبيين لولا خذلان بعض الأمراء له، الأمر الذي جعله يترك العمل مع هؤلاء الأمراء، ويتوجه للعمل مع أمير دمشق طغتكين ويتفق معه على حرب الصليبيين في الشام، ففي سنة 505هـ أغار مودود على الصليبيين، وفي العام التالي سار إلى جهات طبريا، وأغار على مدينة طبريا.

وفي بداية سنة 507هـ كان مودود وطغتكين يقودان معركة حاسمة ضد الصليبيين في طبريا، يروي ابن الأثير في “الكامل” بعض أحداثها، فيقول: “في هذه السنة (أي 507هـ) اجتمع المسلمون وفيهم الأمير مودود بن التوبكتين صاحب الموصل، وتميرك صاحب سنجار، والأمير أياز بن أيلغازي، وطغتكين صاحب دمشق.

وكان سبب اجتماع المسلمين أن ملك الفرنج بلدوين تابع الغارات على بلد دمشق، فغلت الأسعار فيها، وقلّت الأقوات، فأرسل طغتكين صاحبها إلى الأمير مودود يشرح له الحال، ويستنجده ويحثه على الوصول إليه، فجمع عسكراً، وسار فعبر الفرات آخر ذي القعدة سنة ست وخمسمائة، فخافه الفرنج.

وسمع طغتكين خبره، فسار إليه، ولقيه بسلميّة، واتفق رأيهم على قصد بلدوين ملك القدس، فساروا إلى الأردن، فنزل المسلمون عند الأقحوانة، ونزل الفرنج مع ملكهم بلدوين، وجوسلين صاحب جيشهم، وغيرهما من المقدمين والفرسان المشهورين ، وجمع الفرنجة فالتقوا عند طبرية ثالث عشر المحرم، واشتد القتال وصبر الفريقان، ثم إن الفرنج انهزموا، وكثر القتل فيهم والأسر، وممن أسر ملكهم بلدوين فلم يعرف، فأُخذ سلاحه، وأُطلق فنجا، وغرق منهم في بحيرة طبرية ونهر الأردن كثير، وغنم المسلمون أموالهم وسلاحهم، ووصل الفرنج إلى مضيق دون طبرية، فلقيهم عسكر طرابلس وأنطاكية، فقويت نفوسهم بهم، وعاودوا الحرب، فأحاط بهم المسلمون من كل ناحية، وصعد الفرنج إلى جبل غرب طبرية فأقاموا به ستة وعشرين يوماً، والمسلمون بإزائهم يرمونهم بالنشاب فيصيبون من يقرب منهم ومنعوا الميرة عنهم لعلهم يخرجون إلى قتالهم، فلم يخرج منهم أحد، فسار المسلمون إلى بيسان ونهبوا بلاد الفرنج بين عكا إلى القدس، وخربوها وقتلوا من ظفروا به من النصارى”.

لكن لبعد جيوش المسلمين عن بلادهم، وانقطاع المادة عنهم، أذن مودود للعساكر في العودة والاستراحة ثم الاجتماع في الربيع لمعاودة الغزاة،وإذا كان بداية هذا العام (507هـ) قد شهد انتصاراً مدوياً للمسلمين بقيادة مودود على الصليبيين وملكهم بلدوين، فما هي إلاّ أيام وأسابيع قلائل حتى شهد ربيع الأول من ذلك العام مأساة قتل الأمير مودود على يد أتباع الباطنية، إذ دخل مودود في الحادي والعشرين من ربيع الأول من ذلك العام دمشق ليقيم عند أميرها طغتكين إلى الربيع، فدخل الجامع الأموي في ذلك اليوم لأداء صلاة الجمعة، هو وطغتكين، فلما فرغوا من الصلاة، وخرج مودود إلى صحن الجامع ويده في يد طغتكين “وثب عليه باطني فضربه، فجرحه أربع جراحات، وقتل الباطني وأخذ رأسه، فلم يعرفه أحد، فأحرق”.

وكان مودود رحمه الله يوم طُعن صائماً، فحمل إلى دار طغتكين، وحاولوا أن يجعلوه يفطر كي يسهل علاجه، فرفض، وقال “لا لقيت الله إلاّ صائماً” فمات من يومه- رحمه الله- .

وفي تفسيره لجريمة قتل مودود يقول ابن الأثير: “فقيل إن الباطنية بالشام خافوه وقتلوه، وتابعه ابن كثير في “البداية والنهاية” إذ يقول” “… فظفر باطني على مودود فقتله- رحمه الله- وهكذا نفذ الباطنية الإسماعيلية ما كانوا يصبون إليه من قتل علماء المسلمين ومجاهديهم، ولم يكن مودود أولهم ولا أخرهم، وهكذا تخلص الفرنجة من عدو لدود لهم بمصرع مودود على يد الباطنية.
ومن الأمور العجيبة في هذه الجريمة أن ملك الفرنجة بلدوين لمّا وصله خبر قتل مودود، أرسل رسالة إلى طغتكين جاء فيها: “إن أمة قتلت عميدها يوم يعدها في بيت معبودها، لحقيق على الله أن يبيدها”.

(7) اغتيال حاكم الموصل أق سنقر
اغتيال حاكم الموصل أق سنقر البرسقي في “مقصورة الجامع”، وثب عليه ثلاثة انتحاريين بزي الصوفية رغم احترازه وحيطته منهم بالرجال والسلاح والحرس الخاص ولبس الدرع، إلا أنهم قتلوه.

(8) اغتيال وزير الأمير سنجر
وزير الأمير سنجر بدمشق بعد أن شن حملة كبيرة لتصفيتهم. احتالوا عليه “ببعث سائس يخدم خيله حتى وجد الفرصة المناسبة، عندما “دخل الوزير يوماً يتفقد خيله، فوثب عليه المذكور فقتله وقتل بعده”(نفسه)

(9) محاولة اغتيال تاج الملوك توى بن طغتكين
أخطأت خناجر الاغتيال مقتل صاحب دمشق تاج الملوك توي بن طغتكين، جرح جرحين أحدوهما برئ والآخر ظل “ينشر عليه”

(10) اغتيال الخليفة العباسي المسترشد بالله
ذكر ابن العبري في تاريخ مختصر الدول:
طالت خناجر الانتحاريين الخليفة العباسي المسترشد بالله (سنة 528هـ) بمدينة مراغة الإيرانية عاصمة إقليم أذربيجان، أثناء قيادته لحملة عسكرية ضد السلطان مسعود السلجوقي. جاء في رواية مقتل الخليفة: “كانت خيمته منفردة عن العسكر، فقصده أربعة وعشرون رجلاً من الباطنية، ودخلوا عليه، فقتلوه وجرحوه ما يزيد على عشرين جراحة، ومثلوا به وجدعوا أنفه وأذنيه، وتركوه عرياناً”

(11) اغتيال جوهر خادم السلطان سنجر شاه
اعترض انتحاري، سنة 534هـ، في صورة امرأة طريق جوهر خادم السلطان سنجر شاه بن ملكشاه السلجوقي، ووكليه في الدولة، مستغيثا من ظلم لحقه، وما أن اقترب من جوهر رمى ثياب المرأة “ووثب عليه وقتله، فقتله خدم جوهر في الوقت”

(12) اغتيال السلطان داود بن محمود شاه السلجوقي
سنة 537هـ تمكنت خناجرهم من قتل صاحب أذربيجان السلطان داود بن محمود شاه السلجوقي “ركب يوماً في سوق تبريز، فوثب عليه قوم من الباطنية فقتلوه غِيلة، وقتلوا معه جماعة من خواصه.

(13) الإفساد بين الأخويين: دقاق ورضوان ابن تتش
كان أول ظهور للحشاشين في بلاد الشام عام 498 هـ / 1105م عندما أرسل الحسن بن الصباح داعيتهم ليفسد ما بين الأخوين دقاق حاكم دمشق ورضوان حاكم حلب، فتحالف مع رضوان واستماله إلى نحلتهم، وأقام دارا للدعوة الإسماعيلية في حلب، ولقد زاد نفوذ الباطنية في بلاد الشام بعد اعتناق رضوان ملك حلب للمذهب الباطني وعطفه على أتباعه فاستغل الباطنية تلك المكانة وأخذوا يباشرون أعمالهم الإجرامية ضد زعماء المسلمين،ولقد أسهمت سياسة رضوان الباطنية إلى حد كبير في توطيد ملك الفرنجة في الشام.

ولكن بعد هلاك رضوان فتك خلفه ألب أرسلان الأخرس بهم وقتل مقدمهم “أبا طاهر الصائغ”، وقتل أعيانهم وحبس الباقين، وهرب آخرون قاصدين بلاد الإفرنج.

(14) محاربة نور الدين لصالح الصليبيين:
توطدت العلاقات الودية بين الصليبيين والباطنية في أيام نور الدين وصلاح الدين اللذين عملا جاهدين على توحيد العالم الإسلامي ضد الصليبيين فقد كانت كراهية الباطنية لنور الدين شديدة واعتبروه عدوهم اللدود نظرا لأن سلطانه قيد توسعهم فحقدوا عليه وعاونوا حلفاءهم الصليبيين ضده حتى أنه عندما استطاع نور الدين أن يلحق الهزيمة بالصليبيين

نرى زعيم الحشاشين حينئذ (علي بن وفا الكردي) يسارع للتحالف مع الصليبيين ويقوم بهجوم مفاجئ على نور الدين سنة 1148م بالقرب من أنطاكية، ولم يكتفوا بذلك بل حاولوا اغتيال نور الدين وأرسل زعيم الحشاشين الجديد رشيد الدين سنان إلى الصليبيين يعرض عليهم إجراء تحالف وثيق لمناهضة نور الدين ملوحا بأنه يفكر مع قومه في التحويل إلى النصرانية.

(15) دمشق في مقابل صور:
اشتد نفوذهم ثانية أيام داعيتهم “بهرام” وعظم أمره وهو في غاية التستر، ثم انتقل إلى دمشق ودعا إلى مذهبه، وأظهر شخصيته، وأعانه على ذلك وزير طغتكين “أبو طاهر المزدقاني” فعظم شره، فخاف من أهل دمشق وطلب من طغتكين حصنا يأوي إليه هو وأتباعه، فأشار عليه المزدقاني بتسليمه قلعة بانياس غربي دمشق. فاستلمها وجمع فيها أصحابه، فعظ شره في البلاد، فأفاق طغتكين على ذلك ولكن توفي قبل أن يعمل شيئا، وعندما خلفه ابنه تاج الملك بوري على حكم دمشق، أفرط المزدقاني في حماية الباطنية، فعرض على الصليبيون تسليمهم دمشق مقابل إعطائه هو والباطنيين مدينة صور بدلا عنها، وحدد أحد أيام الجمع لتنفيذها، حيث يكون المسلمون في المساجد مما يُسهل فتح أبواب المدينة للفرنجة بسهولة.

ولكن تم كشف المؤامرة قبل موعدها، فقتل السلطان بوري وزيره الخائن وأحرق جثته وعلق رأسه على باب القلعة ونادى بقتل الباطنية، واستمر أهل دمشق يذبحونهم في منتصف رمضان 523 هـ / 1129م حتى قتل منهم ستة آلاف نفس، وعند ذلك استنجد داعيتهم إسماعيل العجمي بالصليبيين ليحموه هو وأصحابه مقابل تسليمه قلعة بانياس لهم

(16) محاولة اغتيال الناصر صلاح الدين الأيوبي:
لم يتوان الحشاش رشيد الدين سنان عن محاولة اغتيال صلاح الدين الأيوبي نفسه فقد تم اكتشاف جماعة من الباطنية عند خيمة صلاح الدين في جوف عسكره.بعد أن استطاع أن يدحر الصليبيين وقد تكررت هذه المحاولة عدة مرات وكل هذا يدل بالطبع على نوعيه الحقد الدفين الذي يكنه الباطنيون لكل ما يحمل علامة النصر للإسلام والمسلمين.

ففي سنة 571 هـ تمكن أحدهم من الوثوب على صلاح الدين الأيوبي، وهو يتفقد جيشه في قلعة أعزاز شمال حلب. “جاءه ثلاثة في زى الأجناد، فضربه واحد بسكين في رأسه فلم يجرحه، وخدشت السكين خدَّه، وقُتل الثلاثة” و ترك صلاح الدين القلعة إلى حلب أثر هذه العملية.

وهكذا لم تبق دار سلطان ودولة، في المشرق والمغرب، بمأمن من خناجر الانتحاريين، التي قطعت أوصال المسترشد بالله العباسي، وذبحت ما ذبحت من سلاطين ووزراء السلاجقة،وهناك حوادث كثيرة نرى فيها أنه في حالة وجود منْ يرفع راية الجهاد، ويعمل على إعزاز هذه الأمة إن لم يهزمه الصليبيون، فإن أولئك المجرمين يغتالونه ويطعنونه من الخلف.

(17) دورهم في الحرب على الدولة العثمانية (السنيّة)
لقد كان دور الباطنية ممثلا بالدولة الصفوية التي كانت تحكم إيران آنذاك مؤثرا وخطيرا في عدائهم للدولة العثمانية واليكم مقتطفات عن هذا الدور الشائن على مدار سنين طويلة من عمر هذه الدولة:
تحالف الرافضة مع البرتغاليين ضد الدولة العثمانية أيام إسماعيل ا لصفوي:

ابتداءً يرجع نسب الصفويين إلى صفي الدين الأردبيلي، (650- 735 هـ / 1252- 1343 م) وهو الجد الأكبر للشاه إسماعيل الصفوي مؤسس الدولة الصفوية. استطاع صفي الدين عن طريق إحدى الفرق التي تزعمها أن يشق طريقه في المجتمع الإيراني وقد لجأ صفي الدين إلى التقيّة إذ كان يظهر بأنه سنّي الاتجاه ومن أتباع المذهب الشافعي.

ولما تمهدت السُبل أمام هذه الدعوة (الشيعية) أعلن أحد أحفاده إسماعيل الصفوي هذه الدعوة بعد أن فرض المذهب الشيعي على أهل إيران الذين كانوا في غالبيتهم من أهل السنة،فأعلن المذهب الشيعي مذهبا رسميا وذلك بالقوة والبطش وإرهاب الناس ولم يكتف بذلك بل نقل دعوته الشريرة الباطلة إلى الأقاليم المجاورة، وافتتح ممالك العجم جميعها وكان يقتل من ظفر به وما نهبه من الأموال قسمه بين أصحابه ولم يأخذ منه شيئا، ومن جملة ما ملك تبريز وأذربيجان وبغداد وعراق العجم وعراق العرب وخرا سان وكاد أن يدّعي الربوبية وكان يسجد له عسكره ويأتمرون بأمره.

ولقد تزعم الشاه إسماعيل المذهب الشيعي وحرص على نشره ووصلت دعوته إلى الأقاليم التابعة للدولة العثمانية وكانت الأفكار والعقائد التي تنشر في تلك الأقاليم يرفضها المجتمع العثماني السني حيث كان من عقائدهم الفاسدة تكفير الصحابة، لعن العصر الأول، تحريف القرآن الكريم، وغير ذلك من الأفكار والعقائد.

كان من الطبيعي أن يتصدى لتلك الدعوة السلطان سليم الأول زعيم الدولة السنية فأعلن في اجتماع لكبار رجال الدولة والقضاة ورجال السياسة وهيئة العلماء في عام 920 هـ 1514م أن إيران بحكومتها الشيعية ومذهبها الشيعي يمثلان خطرا جسيما ليس على الدولة العثمانية فحسب بل على العالم الإسلامي كله، وأنه لهذا يرى الجهاد المقدس ضد الدولة الصفوية، وكان رأي السلطان سليم هو رأي علماء أهل السنة في الدولة، لقد قام الشاه إسماعيل عندما دخل العراق بذبح المسلمين السنيين على نطاق واسع ودمر مساجدهم ودمر مقابرهم…

واسمع معي أخي القارئ لهذا الكلام النفيس الذي صدر عن السلطان سليم في رسالته إلى الشاه إسماعيل يتوعده ويتهدده بكل عزة وإباء: (إن علماءنا ورجال القانون قد حكموا عليك بالقصاص يا إسماعيل بصفتك مرتدا، وأوجبوا على كل مسلم حقيقي أن يدافع عن دينه وان يحطم الهرطقة في شخصك أنت وأتباعك البلهاء ولكن قبل أن تبدأ الحرب معكم فإننا ندعوكم لحضيرة الدين الصحيح قبل أن نشهر سيوفنا وزيادة على ذك فإنه يجب عليك أن تتخلى عن الأقاليم التي اغتصبتها منا اغتصابا ونحن حينئذ على استعداد لتأمين سلامتك)

إلا أن إسماعيل الصفوي رفض الرجوع عما ادعاه فدار القتال بين الفريقين،وبفضل الله – تعالى – انتصر المسلمون على الجيش الصفوي في معركة جالديران ودخل تبريز منتصرا، وعاد سليم الأول بعد أن استولى على الكثير من الأقاليم التي كانت محتلة بأيدي الصفويين.

وهنا برز الدور الخياني للرافضة بعد أن ديست هيبتهم بالأقدام وخسروا معركتهم مع أهل الحق، راحوا يتواطئون للمرة الثانية مع النصارى ضد المسلمين وأقاموا تحالفا مع البرتغاليين ضد الدولة العثمانية السنية وكانت الاتفاقية بينهم تنص على:

أن يقدم البرتغال أسطوله ليساعد الفرس في غزو البحرين والقطيف كما يقدم البرتغال المساعدة للشاه إسماعيل لقمع الثورة في مكران وبلوشستان وان يكون الشعبان البرتغالي والفارسي اتحادا ضد العثمانيين

إن من أسوأ الآثار التي ترتبت على ظهور الحركة الباطنية هو انقسام العالم الإسلامي إلى فئتين متناحرتين فقد استطاعت الباطنية (المتمثلة بالإسماعيلية) استمالة قبيلة كتامة في بلاد المغرب مما ساعدها كثيرا على قيام أول دولة لها سميت بـ (الدولة الفاطمية) أو (العبيدية)

ولا شك أن قيام هذه الدولة الباطنية قد أوجد انقساما خطيرا في صفوف المسلمين هو الأول من نوعه لادعاء حكام هذه الدولة أنهم من ذرية آل البيت وبأحقيتهم أن يكونوا أئمة المسلمين بعد أن كان المسلمون جميعهم يتجهون في ولائهم إلى الخليفة العباسي في بغداد ولكن سرعان ما تكشف حقيقة هؤلاء الأعداء عندما عملوا مرارا على إثارة الفتن بين السنة والشيعة في العراق مقر الخلافة العباسية وعلى إظهار باطن ما يعتقدون في قوانينهم وتصرفات أتباعهم.

ومن المؤكد أن تفتيت العالم الإسلامي الذي عمل على تنفيذه أتباع الباطنية كان له أثر بالغ الخطورة على التطورات السياسية فيه وخاصة وهو يواجه الصليبيين والتتار فإذا به يتعرض لطعنة قوية من الخلف من جانب الباطنية أضعف المسلمين وأحدثت ثغرة قوية في جبهتهم نفذ من خلالها الأعداء من الصليبيين وغيرهم فاستطاعوا بذلك أن يوطدوا قوتهم داخل بلاد المسلمين،وينبغي أن لا يغيب عن أذهاننا أن الباطنية كانت تمد يد العون والمساعدة لهؤلاء الأعداء وتتحالف معهم في سبيل القضاء على الخلافة الإسلامية،ولما تحرك الصليبيون صوب الجنوب كانت سياسيتهم التقليدية تقوم على محالفة الفاطميين الشيعة بمصر لمناهضة الخلفاء العباسيين والترك السنيين .

@علاء محمد إسماعيل
https://www.facebook.com/anm.afm

Advertisements

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s