2016/01/21| كيف تتحقق الشروط الشرعية لبيعة الخليفة الأول في دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة – الأستاذ ثائر سلامة (أبو مالك)


taw7eed meethaq table dialogue hiwar soltan

كيف تتحقق الشروط الشرعية لبيعة الخليفة الأول في دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة – الأستاذ ثائر سلامة  (أبو مالك)

إهداء إلى الأخ محمد ناصح Mohamed Naseh

الجزء الأول:
عرفته حاضر البديهة، محبا للإسلام، حريصا على الحق، أهدي إليه جهد المقل هذا لعل الله ينفع به
ولتشعب الموضوع وطوله وحتى يتسنى نقاشه فكرة فكرة، رأيت نشره مجزءا على حلقات على هذه الصفحة، ثم إن شاء الله تعالى أصدره في كتاب
أخي محمد:
السلام عليكم، بالنسبة لسؤال حضرتكم بخصوص تحقق الشروط الشرعية للخليفة في ظل غياب سلطان الإسلام، أحب أن أجيبك بشيء من التفصيل،
هناك حالة تاريخية كانت الخلافة تنتقل فيها من خليفة يموت لخليفة يبايع من بعده، في ظل سلطان الاسلام ودولته، وهذه لها وضعها ، فالسلطان فيها ما زال للأمة وهي التي تعطيه، قد يكون هناك إحسان أو إساءة لتطبيق النظام، ولكن النظام لا يَأْخذ من غيره من الأنظمة أي شيء من الأحكام أو المعالجات، وإنما يرقى في فهم الإسلام أو يسيء الفهم، يرقى في التطبيق أويسيئه، وهذا كله لا يخرجه عن وصف أنه نظام إسلامي،
ثمة مجموعة من المصطلحات المتعلقة بالمسألة يجب تجليتها، لكل منها: مفهوم (أي معنى شرعي أو اصطلاحي)، ومحددات ومقاييس تبين تحققها في الواقع أم لا، وشروط، تماما، كما لو أردت دراسة الطب، هناك مساقات معينة يجب دراستها، والنجاح فيها، قد تشترك في شيء من مساقات الهندسة، كدراسة الرياضيات مثلا، وتفترق في أغلبها، كي تميز بين المهندس والطبيب، ولن يتحقق وصف الطبيب للطبيب لمجرد دراسته شيئا منها، بل هناك أمور يلزمه دراستها وامتحانات يلزمه اجتيازها، فمثال الطبيب والمهندس كمثال أحكام الاسلام، فمثلا تجد أن أحكام الجهاد لها ضوابطها ومحدداتها، قد تتقاطع في شيء يسير مع أحكام تغيير الواقع أو أحكام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتفترق عنها في غالبية المحددات، من هنا كانت مهمة المجتهد أن يتبين الواقع المراد استنباط حكم الله له، ليفصله عن غيره من الوقائع ويميزه فينزل عليه الحكم الشرعي المنوط به، لذلك كان سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم لماعز حين اعترف بالزنا: هل قبلت، هل لامست، … الخ، لأن كل جريمة من هذه الجرائم لها عقوبتها التي تختلف عن عقوبة الزنا، حتى إذا أقر بأن ما قام به هو جريمة الزنا بما فيها من محددات أنزل عليه حكم الله فيها.
واقع المسلمين اليوم فيه بلاد محتلة، وهجمة صليبيبة شرسة، يتعامل الفقيه معها بدراسة أحكام جهاد الدفع، وهناك غياب للإسلام عن الحياة في الحكم والعلاقات، فهذا واقع يختلف عن الواقع الأول، ويتعامل معه الفقيه وفق دراسة أحكام تغيير دار الكفر إلى دار الإسلام، أي الأحكام التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم بها حين كان يغير واقع مكة (دار الكفر التي عاش فيها) أو واقع المدينة من دار تُحكم بأحكام الكفر، وتسودها علاقات منبثقة من أنظمة الكفر، إلى دار تحكم بالإسلام وتسودها أحكام الإسلام،
لذلك، كان لزاما أن ندرس مفهوم دار الكفر ودار الإسلام، ما هي محدداتها، ومفهومها الشرعي، كيف نقيس مقدار التغيير الذي يحدث في الأمة لتحويل الدار من دار كفر إلى دار إسلام، ما هي الشروط التي يجب تحققها ليحصل مثل هذا التغيير، وهكذا.

الجزء الثاني:

دار الإسلام ودار الكفر
يطلق الفقهاء على الدار التي تخضع لأحكام الاسلام وأمان المسلمين بأمانها: دار الإسلام أو دار المهاجرين،
وذلك مأخوذ من أحاديث وآيات، عمدتها حديث سليمان بن بريدة رضي الله عنه: روى الإمام مسلم في كتاب الجهاد والسير واللفظ له والترمذي وأبو داود وابن ماجة وأحمد والدارمي: « عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا ثُمَّ قَالَ: اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تَمْثُلُوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ أَوْ خِلَالٍ فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَسَلْهُمْ الْجِزْيَةَ فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ) الحديث،
وفي رواية أبي داود وأحمد: « ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ وَأَعْلِمْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَأَنَّ عَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ فَإِنْ أَبَوْا وَاخْتَارُوا دَارَهُمْ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ «
لاحظ انهم قبلوا الاسلام ولكنهم لم يتحولوا من دارهم التي هي غير دار المهاجرين منها إلى دار المهاجرين، وغير دار المهاجرين لا شك أنها دار الكفر، حتى وإن كان ساكنوها كما هو واضح من الحديث من المسلمين.
تأمل قول الحق سبحانه أيضا في سورة الأنفال:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72)﴾
لاحظ بوضوح كيف يبرز مفهوم دار الاسلام ودار الكفر: هنا مؤمنون وهنالك مؤمنون، مؤمنوا دار الاسلام آمنوا وهاجروا من دار الكفر إلى دار الاسلام، (المهاجرون) أو هم من الذين آووا ونصروا (الأنصار) وبالتالي فهم يقيمون في دار الاسلام، يخضعون لسلطان الدولة الإسلامية.
وهناك قوله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون )
بينت معالم دار الإسلام: فيها تمكين للدين، وأمان بعد خوف، وسيادة لأحكام الاسلام تتمثل في توحيد الله في العبادة، فلا مصدر للتشريع غير الذي منلدنه جل وعلا.

تعريف دار الإسلام في الفقه:


بداية تعريف دار الاسلام في الفقه: كل بقعة تكون فيها أحكام الإسلام ظاهرة، ومعنى ظاهرة: أي أن أحكام الإسلام هي العليا في المجتمع، هي المعاريف في المجتمع وما خالفها تكون في نظر المجتمع منكرات،
بالمقابل دار الحرب أو دار الكفر: كل بقعة تكون فيها أحكام الكفر ظاهرة .
محددات وشروط دار الإسلام ودار الكفر:
حتى تجلي هذين المصطلحين، تجد الفقهاء بحثوا كيف تتحول دار الإسلام إلى دار كفر، قال المالكية , والحنابلة , وصاحبا أبي حنيفة ( أبو يوسف , ومحمد ) : تصير دار الإسلام دار كفر بظهور أحكام الكفر فيها . وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا تصير دار كفر إلا بثلاث شرائط :
1 – ظهور أحكام الكفر فيها .
2 – أن تكون متاخمة لدار الكفر .
3 – أن لا يبقى فيها مسلم , ولا ذمي آمنا بالأمان الأول , وهو أمان المسلمين .
ووجه قول أبي حنيفة : أن المقصود من إضافة الدار إلى الإسلام والكفر ليس هو عين الإسلام والكفر , وإنما المقصود هو : الأمن , والخوف , ومعناه : أن الأمن إن كان للمسلمين في الدار على الإطلاق والخوف لغيرهم على الإطلاق فهي دار إسلام , وإن كان الأمن فيها لغير المسلمين على الإطلاق والخوف للمسلمين على الإطلاق فهي دار كفر , فالأحكام عنده مبنية على الأمان والخوف , لا على الإسلام والكفر , فكان اعتبار الأمن والخوف أولى.
ومن هنا استُنبط اصطلاح دار الإسلام، ودار الكفر أو دار الحرب، فتكون إضافة الدار للإسلام، أو للكفر، أو للحرب هي إضافة للحكم والسلطان.، لا إضافة إلى السكان، فإن كان غالبية الرعية من المسلمين، ولم يتحقق الأمان أو لم تتحقق رعاية الشئون وفقا لأحكام الإسلام، فالدار تسمى دار كفر وإن بقي وصف سكانها بالإسلام.
ومن ذلك يتبيّن أن اعتبار الدار لا بدّ أن يتحقق فيه السلطان لمن تنسب إليه. والسلطان لا يتحقق إلا بأمرين:
أحدهما: رعاية المصالح بأحكام معينة،
وثانيهما: القوة التي تحمي الرعية، وتنفذ الأحكام، أي الأمان.
ومن هنا جاء اشتراط الشرطين المذكورين.
لبحث المحددات، قلنا بعد عرض المصطلح، نريد فهم المحددات، كيف تظهر أو تعلو الأحكام؟ ما هي المؤشرات التي تفيد بأن الأحكام ظاهرة أو عليا؟ وسؤال ثان: هل لو ظهر حكم كفر واحد في المجتمع يقلب الدار إلى دار كفر؟ هل الأمر متعلق بالكم؟ ما هي المحددات التي على أساسها نقول بأن الدار انقلبت دار كفر؟

الجزء الثالث:
إلا أن تروا كفرا بواحا
ورد في حديث عوف بن مالك في شرار الأئمة، حيث جاء فيه … » قيل يا رسول الله: أفلا ننباذهم بالسيف؟ فقال لا، ما أقاموا فيكم الصلاة » وما ورد في حديث عُبادة بن الصامت في البيعة حيث ورد فيه … « وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحًا عندكم من الله فيه برهان » ووقع عند الطبراني «كفرا صُراحا» فإنها تدل على أن الحكم بغير أحكام الإسلام مما يوجب حمل السيف في وجه الحاكم. وهذا دليل على أن تطبيق الإسلام شرط من شروط دار الإسلام، وإلا وجب حمل السيف والقتال.
الحالة التي تصفها هذه الأحاديث التي منعت ابتداء حمل السيف في وجه الحاكم إلا في حالة أن ترى كفرا بواحا، هذه الحالة تمثل مرحلة محاولة الحاكم تغيير الدار من دار إسلام إلى دار كفر، لأن منطوق الحديث يقول: إلا أن تروا، يعني لم تكونوا ترونه من قبل، كانت دار إسلام تعلوها أحكام الإسلام، واستحق الحاكم على أساس هذا أن يبايع ويأخذ صفة الإمام، وتجب له الطاعة، فإذا ما أحدث وأراد تغيير الواقع بإدخال حكم كفر أو أحكام كفر، ثم أراد أن يجعلها تعلو في المجتمع، أي تصبح ظاهرة، ينابذ بالسيف، تذكر أن تعريف دار الإسلام: هي الدار التي تعلوها، أو تظهر فيها أحكام الإسلام، فهنا حاكم يريد أن يظهر أحكام الكفر ولو حكما واحدا، ويجعله يعلو، حين ذلك يستدعي الأمر منابذة هذا الحاكم بالسيف، لمنع تحويل الدار، مثلما فعل أتاتورك حين حول الدولة العثمانية إلى دولة علمانية، فكان الواجب أن ينابذ بالسيف لمنع تمكينه من ذلك التحويل، ويبقى حكم المنابذة بالسيف قائما حتى يتحقق وصف أن حكم الكفر علا وغلب واستتب، واستقر، حين ذلك تأخذ الدار وصف دار الكفر، ولا يتحقق مناط حديث المنابذة بالسيف، لوجود أدلة تربو عن السبعين دليلا تمنع استعمال الأعمال المادية في تغيير دار الكفر إلى دار إسلام :
“كان أول ما أذن للرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته القتال واستعمال القوة المادية بعد الهجرة حين نزل الإذن بذلك بعد أن نهاهم الله عنه في نيف وسبعين آية، ويشهد لذلك ما جاء في تفسير الرازي لقوله تعالى: { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ* الحج 39 } أما قوله: { بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ } فالمراد أنهم أذنوا في القتال بسبب كونهم مظلومين وهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مشركوا مكة يؤذونهم أذى شديداً، وكانوا يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه فيقول لهم اصبروا ـ فإني لم أؤمر بقتال ـ حتى هاجر فأنزل الله تعالى هذه الآية وهي أول آية أذن فيها بالقتال بعد ما نهى عنه في نيف وسبعين آية”
فالسؤال هو: كيف نفهم جملة: إلا أن تروا كفرا بواحا؟
فالحديث يطلب من المسلمين نقض بيعة، وإعلان ثورة مسلحة ضد الحاكم، فلا بد إذن من دقة الفهم، وهذا الفهم ينبني عليه دقة فهم متى يستحق الحاكم البيعة والطاعة!

الجزء الرابع:

تعريف الدولة:
عرف حزب التحرير الدولة على أنها كيان تنفيذي لمجموعة المفاهيم والمقاييس والقناعات التي تحملها أمة من الأمم.
جاء في موقع موسوعة الحقوق العالمي :
تعريف الدولة ” على أنها هي مجموعة من البشر يرتبطون فيما بينهم بروابط معينة ، ويقيمون على إقليم معين و يخضعون لنظام وسلطة معينين.
وجاء في تعريف للدولة على أنها :

A state is a political association with effective dominion over a geographic area. It usually includes the set of institutions that claim the authority to make the rules that govern the people of the society in that territory

مؤسسة (كيان) سياسي له سيادة فعالة على رقعة من الأرض، عادة تتضمن مجموعة مؤسسات لها السلطة لتشريع القوانين التي تحكم من خلالها الناس في المجتمع في تلك البلد.
الكيان التنفيذي والكيان المجتمعي:
تتكون الأمة من كيانين : كيان تنفيذي ممثل بالحاكم وبطانته وجهاز الحكم في دولته والجيش الذي يعمل على حماية تطبيق الاسلام ونشره في العالم، فهذا الكيان يسهر على تطبيق الاسلام وبيده القوة التي وصفها سيدنا عثمان رضي الله عنه بقوله: يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
والكيان الثاني هو كيان الأمة المجتمعي، وهذا لا بد له من قيادة تقوده، ولا بد له من ساهر على وعيه وثقافته ، وحارس يبين له أي جنوح عن تطبيق الاسلام ممن بيدهم القوة، أو من مؤامرات تحاك ضدهم من قبل أولي الأمر أو أعدائهم وهذه القيادة لا تتمثل إلا بالعلماء!! وبالأحزاب السياسية التي تقود الأمة وعلى الأمة أن تنقاد لها!
خاصة والاسلام يدرك ان الدولة الاسلامية دولة بشرية تتراوح في قوة تطبيقها للاسلام بين خلافة راشدة وبين ملك عاض!
وأن المسلمين قد يغفلوا عن حماية الاسلام فتضيع الدولة فيقعوا بين فك ملك جبرية تهلكهم!
من هنا فالحاكم هو قائد الكيان التنفيذي يسهر من مكانه على تطبيق الاسلام وحراسته، وبيده القوة التي يزع بها الله من لم يزعه القرآن، ولكنه بشر يصيب ويخطئ.
والعلماء والأحزاب السياسية هم قادة الكيان المجتمعي يسهرون على تطبيق الاسلام وأهم أعمالهم المحاسبة!!
كان وجود العالم في وسط الناس مشعرا له بحاجاتهم ودافعا لقيادتهم حتى لا يقع الظلم عليهم، ولنا في قصة العز بن عبد السلام رحمه الله عبرة إذ أراد المماليك فرض ضريبة إضافية من أجل تجهيز الجيش لتحرير بلاد المسلمين من التتار فأمر أن تباع القصور وما فيها من حلي ومتاع حتى إذا لم تكف الأموال فرضت الضريبة على الناس.
فالدور الذي أناطه الشارع إذن بالعالم أن يكون قائدا للكيان المجتمعي ليحرسَ بقوةِ الرعيةِ الهائلةِ الشريعةَ من أن يعبث بها القائمون على الأمر وقوتهم بأيديهم!
لا شك أن الأمة هي القوة الهائلة التي توقف السلطان وتردعه عن أن يبتعد عن تطبيق الاسلام قيد شعرة!
وأن هذه الأمة بحاجة دوما لمن يبين لها مثل هذه المخالفات، فيرفع من مستوى وعيها ويبين لها شرعا الموقف الصحيح الذي عليها أن تتخذه في كل ظرف، وبالتالي يقف سدا منيعا إذا ما حادت الدولة عن تطبيق الشرع أو أساءت تطبيقه !
« خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم. ويصلون عليكم وتصلون عليهم. وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم قيل: يا رسول الله! أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال لا. ما أقاموا فيكم الصلاة. وإذا رأيتم من ولا تكم شيئا تكرهونه، فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا يدا من طاعة» .
فالأمة إذن الحارس على تطبيق الشرع، تنابذ من عطله بالسيف
وفي حديث معاوية رضي الله عنه: « إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه، ما أقاموا الدين » .
فطالما أن الحكام يقيمون الدين لا يجوز معاداتهم، ومن مفهوم المخالفة أنهم إن لم يقيموا الدين يعاديهم الكيان المجتمعي في الأمة ليعيدهم إلى جادة الصوابّ! أو يخلعهم!
ولمسلم في كتاب الإمارة عَنْ يَحْيَى بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ سَمِعْتُ جَدَّتِي تُحَدِّثُ
أَنَّهَا سَمِعَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهُوَ يَقُولُ « وَلَوْ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا »
وفي حديث آخر له في الباب نفسه عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ « عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ »
وللإمام أحمد في مسنده : قَالَ عَمْرُو بْنُ زُنَيْبٍ الْعَنْبَرِيُّ إِنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ أَنَّ مُعَاذًا قَالَ « يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ لَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِكَ وَلَا يَأْخُذُونَ بِأَمْرِكَ فَمَا تَأْمُرُ فِي أَمْرِهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا طَاعَةَ لِمَنْ لَمْ يُطِعْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ»
كما أن الشرع جعل في ذمة المسلمين أن ينصحوا لولاة الأمر ليقوموا اعوجاجهم:
فعن جرير بن عبد الله قال: » بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم « متفق عليه
ومثله حديث تميم الداري عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: « الدين النصيحة، قالها له ثلاثا، قلنا لمن يا رسول الله ؟ قال: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم » .
رواه البخاري ومسلم، واللفظ له.
علاقة السلطة بالقوة:
وللوقوف على دقة تعريف الحزب للدولة، والذي قال به منذ نشأته في العام 1953 تقريبا، والأمر الذي سنبني عليه إن شاء الله بناء مهما فيما يتعلق بطريقة أخذ السلطة، بالتفريق بين إنشاء الدولة وإقامة الدولة، وبعلاقة السلطة بالقوة، وبحكم أخذ السلطة من الحاكم بالقوة أقول وبالله تعالى التوفيق:
وردت كلمة السلطة في التعريف وقولنا كيان تنفيذي يحمل معنى السلطة، فما هي السلطة؟
عرف السلطة على أنها :

is often used interchangeably with the term “power”. However، their meanings differ. “Power” refers to the ability to achieve certain ends، ‘authority’ refers to the legitimacy، justification and right to exercise that power.

غالبا ما تستعمل كلمة السلطة بشكل تبادلي مع كلمة القوة مع أن معنييهما مختلفان فالقوة تعود على القدرة على الوصول إلى غايات معينة، والسلطة تعود على الشرعية والتبرير وحق استعمال القوة. انتهى
لو تفكرنا في هذا التعريف فسنجد أن السلطة هي غير القوة وهي تمثل الحق في تنفيذ تشريعات
واستعمال القوة في تنفيذها، وقد قال بهذا الكلام بهذه الدقة الحزب في نشرات كثيرة صدرت منذ أكثر من خمسين عاما! قالها نتاج تحليله المستنير لمفهوم السلطة، والقوة والدولة في الفكر الاسلامي ودور كل منها، وهذه تعريفات عالمية لذا فلا عجب أن يوافق القانونيون في الغرب على عين التفريق والتعريف!
إذن: ما علاقة هذا كله بقوله عليه سلام الله: إلا أن تروا كفرا بواحا؟

الجزء الخامس:
إذن: ما علاقة هذا كله بقوله عليه سلام الله: إلا أن تروا كفرا بواحا؟
الحديث يبين لنا الوضع الطبيعي للأمة، أمة تملك السلطان، وتمنحه للحاكم المبايع شرعا، ومن ثم يحاول الحاكم الإخلال بهذه البيعة، فيستحق الخلع.
كيف امتلكت الأمة السلطان وكيف منحته؟
السلطان للأمة، توكل الخليفة عنها ليقيم فيها أحكام الاسلام:
جاء في العدد الخامس والعشرين من مجلة الوعي:
السيادة عند الغرب: هي امتلاك الإرادة وامتلاك التنفيذ، فإذا سُلبت الإرادة وصار تسييرها بيد الغير، يُصبح مسلوب الإرادة عبداً، وإذا سيّر إرادته بنفسه كان سيداً.
أما السلطة عندهم فهي: ممارسة الحكم والقضاء. والفرق بين السيادة والسلطة هو أن السيادة تشمل الإرادة والتنفيذ أي تشمل تسيير الإرادة، وتشمل التنفيذ، بينما السلطة تختص فقط بالتنفيذ ولا تشمل الإرادة.
أما في الإسلام:
… فالأمة الإسلامية مأمورة بأن تسيّر جميع أعمالها بأحكام الشرع، فالمسلم عبدٌ لله، فهو لا يسيّر إرادته ولا ينفذ ما يريد، وإنما يسيّر إرادته بأوامر الله ونواهيه، ولكنه هو المنفذ، ولذلك فإن السيادة ليست للأمة وإنما هي للشرع، أما التنفيذ فهو للأمة، ولذلك كان السلطان للأمة. انتهى
إذن:
فمجموع الأوامر والنواهي التي نزل بها الوحي والتي تسير سلوك الإنسان في الحياة، وتقيم العلاقات في المجتمع وفق نمط عيش خاص، وتضبط العلاقة بين الحاكم والمحكوم وبين الرعية بعضها مع بعض، وتحيط بأفعال الإنسان وفق نظام خاص، على الفرد والدولة والحزب واجب تنفيذها وفق الآلية التي بينتها الشريعة، ويعتبر تنفيذها ممارسة للسلطان، ويعتبر إحلال منظومة أخرى محلها سلبا للسلطان من الأمة.
فأن ترى المنكرات في المجتمع تتناقض مع ما أمر الله به، ويعتبر إنكارك لها أمرا مستوجبا للمحاكمة، يعني أن السلطان مسلوب لأنه يطبق منظومة أخرى في الحياة تتناقض مع الإسلام.
وأن تحرس المنكرات بسياج القوة، سواء الجيش أو الشرطة والتي كان المفروض أن تكون السياج الحامي لتطبيق الشريعة فأصبحت السياج الحامي لتطبيق الكفر، فإن هذا يعني أن كلمة الكفر علت، وظهرت في المجتمع.
لاحظ الدقة في لفظ الحديث: إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه سلطان.
يعني ربط بين وجود وعي على أن هذا الحكم حكم كفر، أي حكم مأخوذ من غير شريعة الله، سواء كان هذا الوعي عند عامة الناس، كأن يقوم حكم بمنع المحجبات من دخول الجامعات، فهذا حكم كفر يعرف أنه كفر العامة والخاصة، أو كان حكم كفر يعلمه العلماء، والمفروض أنهم هم قادة الكيان المجتمعي، ولهم أتباعهم وثقلهم في المجتمع، أو الأحزاب السياسية بما لها من قدرة على قيادة المجتمع، ولا بد من إقامة الدليل (السلطان) بأن هذا الحكم حكم كفر، سواء كان واحدا أو ألف حكم، وعند ذلك إن لم يرعو الحاكم وينقاد لحكم الإسلام، فإنه يستحق خلع البيعة من الأعناق، وقولنا: حكم أو ألف حكم، لأن أخذ حكم أو أكثر من أنظمة الكفر هو استبدال لمصدر التشريع، ارتضاء بأن يكون غير الله مشرعا، وهذا يجعل للكفر سبيل على المجتمع، والله تعالى يحرم ذلك: ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا، أي يحرم أن يسمح المؤمنون أن يحدث هذا، والإسلام يعلو ولا يعلى عليه.
إن تسخير القوة لخدمة السلطة لتثبيت حكم الكفر، أي تسخير الجيش والشرطة، يعني استفحال أمر إبراز الكفر في المجتمع لدرجة استطاع معها الحاكم أن يسخر الجيش لخدمة هذا المشروع، فهو ليس مجرد العمل بحكم كفر، بل فوق ذلك: إظهار هذا الحكم في المجتمع، وحراسته بالقوة، وهذا معنى: إلا أن تروا كفرا بواحا، بلغ الحال من الحاكم أن يحكم بغير ما أنزل الله، ويسخر الجيش والقوة لخدمة هذا المشروع، وبهذا يستحق الخروج عليه ومنعه من هذا.

الجزء السادس:

لنرجع إلى مفهوم السلطان ونجليه أكثر:

مجموعة الأوامر هذه أي أحكام الشرع، ينفذ الفرد ما يخصه كفرد فيها بنفسه، فهو يصوم ويصلي ويحج ، ويتنفيذه لهذه الأوامر يكون أقام السلطان فيما يخصها في خاصة نفسه.

ومن هذه الأحكام ما أنيط بالدولة، فقطع يد السارق لم يترك للناس ينفذه أي شخص، ولو رآى مجموعة من المسلمين أن أحكام الله التي أناطها بالدولة معطلة، وقالوا في أنفسهم أن إقامتها خير من تعطيلها وشرعوا بذلك بأنفسهم فبدأوا بتنفيذ الحدود والقصاص، فإنهم يكونوا قد اعتدوا وعملهم غير مشروع.
قال الرازي محمد بن عمر بن الحسين الرازي الشافعي المعروف بالفخر الرازي أبو عبد الله فخر الدين ولد بالري من أعمال فارس من تصانيفه الكثيرة: مفاتيح الغيب من القرآن الكريم. قال في تفسيره لقوله تعالى {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} احتج المتكلمون بهذه الآية في أنه يجب على الأمة أن ينصبوا لأنفسهم إماماً معيناً والدليل عليه أنه تعالى أوجب بهذه الآية إقامة الحد على السراق والزناة، فلا بدّ من شخص يكون مخاطباً بهذا الخطاب، وأجمعت الأمة على أنه ليس لآحاد الرعية إقامة الحدود على الجناة، بل أجمعوا على أنه لا يجوز إقامة الحدود على الأحرار الجناة إلا للإمام، فلما كان هذا التكليف تكليفاً جازماً ولا يمكن الخروج عن عهدة هذا التكليف إلا عند وجود الإمام، وما لا يتأتى الواجب إلا به، وكان مقدوراً للمكلف، فهو واجب، فلزم القطع بوجوب نصب الإمام حينئذٍ.
وقال في تفسير قوله تعالى : {فاجلدوا} في أن المخاطب بقوله تعالى: {فَٱجْلِدُوا} من هو؟ أجمعت الأمة على أن المخاطب بذلك هو الإمام، ثم احتجوا بهذا على وجوب نصب الإمام، قالوا لأنه سبحانه أمر بإقامة الحد/ وأجمعوا على أنه لا يتولى إقامته إلا الإمام وما لا يتم الواجب المطلق إلا به، وكان مقدوراً للمكلف فهو واجب فكان نصب الإمام واجباً،
قال الشوكاني في قوله تعالى {والزانية والزاني } والخطاب في هذه الآية للأئمة ومن قام مقامهم، وقيل: للمسلمين أجمعين، لأن إقامة الحدود واجبة عليهم جميعاً ، والإمام ينوب عنهم، إذ لا يمكنهم الاجتماع على إقامة الحدود
أكتفي بهذه النقولات لأقول:
السلطان غير القوة وإن كان لا يعيش إلا بها. والقوة غير السلطان، وإن كان لا يستقيم أمرها إلا به.
فالسلطان هو الحكم، وولاية الأمر، وهو كيان تنفيذي لمجموعة الأفكار والمفاهيم والمقاييس التي تقبلتها الأمة، فعمله هو تنفيذ الأحكام، والرعاية لشؤون الناس، وتصريف أمورهم.
وبذلك يكون غير القوة، وإن كان السلطان لا يمكن أن يعيش إلا بالقوة، لأنها هي أداة الحماية للحكم، ولمجموعة الأفكار والمفاهيم والمقاييس والأحكام التي قام عليها السلطان، وهي في الوقت نفسه أداة بيد السلطان يستخدمها لتنفيذ الأحكام، وقهر المجرمين والظالمين والمعتدين، وقمعهم حتى يلتزموا بالأحكام.
أما القوة في الدولة، فهي ليست رعاية شؤون الناس، ولا تصريفاً لأمورهم، أي هي ليست السلطان، وإن كان وجودها وتكوينها وتسييرها وإعدادها وتجهيزها لا يتأتى بدون السلطان.
وهي عبارة عن كيان مادي يتمثل في الجيش، ومنه الشرطة، ينفذ به السلطان الأحكام، ويقهر به المجرمين والفسقة، ويقمع الخارجين، ويصدّ به المعتدين، ويتخذه أداة لحماية السلطان، وما يقوم عليه من أفكار ومفاهيم ومقاييس.
ومن هنا يتضح أن السلطان غير القوة، وأن القوة غير السلطان.
لذلك لا يجوز أن يصبح السلطان قوة، لأنه إن تحول السلطان إلى قوة فسدت رعايته لشؤون الناس، لأن مفاهيمه ومقاييسه تصبح هي مفاهيم القهر والقمع والتسلط، وليس مفاهيم الرعاية، ويتحول إلى حكم بوليسي، ليس له إلا الإرهاب والتسلط والكبت والقهر وسفك الدماء.
وكما لا يجوز أن يصبح السلطان قوة، كذلك لا يصح أن تكون القوة سلطاناً، لأنها ستصير تحكم بمنطق القوة، وترعى شؤون الناس بمفاهيم ومقاييس الأحكام العسكرية، ومقاييس القمع والقهر، وكلا الأمرين يسبب الخراب والدمار، ويولد الرعب والخوف والفزع، ويوصل الأمة إلى حافة الهاوية، مما سيوقع أشد الضرر بالأمة، والقاعدة الشرعية تقول: «لا ضرر ولا ضرار».

الجزء السابع:
رعاية الشئون بالقوة أم بالسلطان؟
إذن: لاحظنا أن أمرين يحدثان جنبا إلى جنب:
وكما لا يجوز أن يصبح السلطان قوة، كذلك لا يصح أن تكون القوة سلطاناً، لأنها ستصير تحكم بمنطق القوة، وترعى شؤون الناس بمفاهيم ومقاييس الأحكام العسكرية، ومقاييس القمع والقهر، وكلا الأمرين يسبب الخراب والدمار، ويولد الرعب والخوف والفزع، ويوصل الأمة إلى حافة الهاوية، مما سيوقع أشد الضرر بالأمة،
السياسة رعاية للشئون وفقا للأحكام، وليست قهرا ولا قوة
أنزل الله أحكام الشريعة ليسوس بها المسلمون حياتهم، لضبط سلوكهم وعلاقاتهم ونظم حياتهم بمنظومة الأحكام الشرعية المنبثقة عن العقيدة الإسلامية، ومعنى سياسة أو رعاية الشئون، إحاطة الرعية بالنصح، وإقامة العدل فيها، وتحقيق الأمن، والقيام على مصالح العباد، وتنزيل الأحكام الشرعية على الوقائع لتنفيذها ووضعها موضع التطبيق.
روى البخاري رضي الله عنه عن الحسن «أنَّ عُبَيدَ اللَّه بنَ زياد عادَ معقِلَ بن يسار في مرضِهِ الذي مات فيه، فقال له مَعقلٌ: إني مُحدِّثكَ حديثاً سمعتُهُ من رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم، سمعتُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم يقول: ما من عبدٍ يسترعيه اللَّهُ رعِيةً فلم يَحُطها بنصحِهِ لم يَجدْ رائحةَ الجنَّة». قال المناوي في فتح القدير: أي يفوض إليه رعاية رعية وهي بمعنى المرعية بأن ينصبه إلى القيام بمصالحهم ويعطيه زمام أمورهم والراعي الحافظ المؤتمن على ما يليه من الرعاية.
هذا المعنى نجده في أحسن ما يمكن أن يوصف به أمر، لقد وصفه الله تعالى بالأمانة التي يجب على الأمة أن تؤديها إلى أهلها، أي أن تضع خير من يقوم بها في المكان المناسب له، قال تعالى: إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً (58) ]، وجاء في طبقات ابن سعد أن عميراً بن سعد رضي الله عنه، وهو الذي ولاّه عمر بن الخطاب رضي الله عنه حمص، كان يقول: «ألا إن الإسلام حائط منيع وباب وثيق فحائط الإسلام العدل وبابه الحق، ولا يزال الإسلام منيعاً ما اشتد السلطان، وليس شدة السلطان قتلاً بالسيف ولا ضرباً بالسوط ولكن قضاء بالحق وأخذاً بالعدل» إ.هـ.
كثيرا ما يتصور من يريد تطبيق الشريعة أن الشريعة عقوبات وحدود، ويظن أنه بإقامة الحدود يطبق الشريعة، ويغيب عن ذهنه أن الإسلام نظام شامل لكل مناحي الحياة، فقبل أن تقطع يد السارق لا بد من إقامة النظام الاقتصادي الاسلامي الذي يكفل للرعية حقوقها وكفايتها، ثم إذا ما أقيم الإسلام وسرق السارق استحق العقوبة! أما أن تقطعه قبل أن تكفيه فليس هذا تطبيقا للإسلام، لذلك لم يقطع عمر رضي الله عنه يد غلمان حاطب لما سرقوا ليأكلوا وكان حاطب قد أجاعهم ولم يكفهم، وأمر حاطبا بأن يغرم عنهم ما سرقوه وهدده بأنه سيقوم مقامهم لو اضطرهم ثانية للسرقة! ففعل حاطب كان فيه تعطيل لمنظومة تحقق الكفاية للرعية، فاستدعى ذلك أن لا تقام الحدود على السراق، فتأمل في ذلك!
فرق بين أن تقيم الحكم على قوانين وأنظمة وأحكام، تفرضها بالقوة، وبين أن تقيم الدولة على فكرة عقدية تنبثق منها قوانين وأحكام، وأن يقام السلطان على هذه الفكرة العقدية، وترعى الشئون بناء على هذه القوانين والأحكام، فتستمد الدولة قوتها من الأمة، وتستمد الأمة رعاية شئونها من الدولة وينظر للأحكام والقوانين بأنها تستمد شرعيتها من الفكرة العقدية المنبثقة من عقيدة الأمة، فيحصل التآلف بين الأمة ومفاهيمها وقناعاتها وبين ما تحكم به من أنظمة.
وبهذا تنهض الأمة وترتقي لتتبوأ مكانتها بين الأمم
والطريقة لحصول هذه النهضة هي اقامة الحكم على فكرة لا على أنظمة وقوانين وأحكام، فاقامة الدولة على قوانين وأحكام لايمكن ان تحصل به نهضة بل على العكس هو مخدر عن النهضة ولا يمكن ان تحصل النهضة إلا إذا أقيم الحكم والسلطان على فكرة ثم عن هذه الفكرة تنبثق المعالجات اليومية لمشاكل الحياة أي تنبثق الانظمة والقوانين والاحكام، ويرى من يطبق هذه الأحكام الصلة بينها وبين الفكرة،
فمثلا: لو أخذت الدولة حكم قطع يد السارق على أنه من الوحي، فإنها بهذا تطبق الشريعة، وتوثق الصلة بين الحكم وبين مصدره، فيستمد الحكم قوة في المجتمع وفي الدولة،
لكن الدولة لو قطعت يد السارق لأنها ترى أنه حكم جيد، لا لأنه مأخوذ من الوحي، فإنها بهذا تطبق قوانين وأحكام، بغض النظر عن انبثاقها عن مصدرها، وبالتالي تفقد الأمة وتفقد الدولة علاقة الربط بين القوانين وبين مصدرها، وبهذا يسهل تسرب أحكام مناقضة للشريعة أو غير منبثقة عن العقيدة، فتدخل الدولة في فوضى فقهية قانونية عقدية، ولن تنهض!
فاوروبا حين نهضت انما نهضت على فكرة فصل الدين عن الدولة والحريات وامريكا حين نهضت انما نهضت على فكرة هي كذلك فصل الدين عن الدولة والحريات، والعرب حين نهضوا على الفكرة الاسلامية حين جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم رسالة من الله واقام الحكم والسلطان عليها فحصلت النهضة للعرب حين اعتنقوها واقاموا الحكم عليها، وهذا كله دليل قاطع على ان الطريق لحصول النهضة هي اقامة الحكم على فكرة
والدليل على ان اقامة الحكم على انظمة وقوانين لا يوجد نهضة ما فعله مصطفى كمال في تركيا فانه اقام الحكم على انظمة وقوانين ليوجد نهضة فقد اخذ الانظمة الغربية والقوانين الغربية واقام الحكم عليها واخذ يطبقها واستطاع ان يطبقها بالفعل عن طريق القوة ولكنه لم يوجد نهضة فلم تنهض تركيا بل انحلت عما كانت عليه.
لذلك فرق بين أن تنشأ الدولة الاسلامية نشوءا طبيعيا، وبين أن تنشأ نتيجة تحكم القوة فيها وفرق بين أن تقوم على الفكرة الإسلامية المتمكنة من الأمة فتملك سلطانها وتمنحه للخليفة، وبين أن تقوم على منطق القوة والقهر والتسلط.
لذلك: كان لزاما أن نفرق بين أمة تمتلك سلطانها، وكان لزاما أن يبدأ الحكم بإعطاء السلطان للأمة ومن ثم تقوم هي بمنحه للخليفة، وبين أن ينظر للحكم على أنه قوة تفرض أحكاما وتشريعات.

الجزء الثامن:
غير أن إقامة الحكم على فكرة الإسلام لا تعني القيام بانقلاب عسكري وأخذ الحكم وإقامته على الفكرة، فإن هذا لا يوجد نهضة، ولا يمكن من الثبات في الحكم، وإنما يعني إفهام الأمة أو الفئة الأقوى في الشعب الفكرة الإسلامية المراد إنهاض الأمة عليها، وجعلها تبني حياتها عليها، وتتجه في معترك الحياة على أساس هذه الفكرة، وحينئذ يقوم الحكم عن طريق الأمة على هذه الفكرة، وبذلك تحصل النهضة قطعاً.
والمثال الصحيح على ذلك ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه حين بعثه الله تعالى برسالة الإسلام، دعا الناس إلى العقيدة الإسلامية أي للفكرة الإسلامية، ثم لما جمع أهل المدينة الأوس والخزرج على العقيدة الإسلامية، أي على الفكرة الإسلامية، وجعلهم يتجهون في حياتهم عليها، أخذ الحكم في المدينة وأقامه على العقيدة الإسلامية ثم صار يقول: ››أمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله فإذا قالوا عصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها‹‹. أي صار يدعو للفكرة الإسلامية، وبذلك حصلت النهضة الصحيحة في المدينة، ثم في العرب، ثم في كل شعب دخل في الإسلام، أي اعتنق الفكرة الإسلامية وكان سلطانه الذي يرعى شؤونه قائماً عليها.
فالأصل في النهضة ليس أخذ الحكم، وإنما هو جمع الأمة على الفكرة الإسلامية، وجعلها تتجه في حياتها على هذه الفكرة، ثم يؤخذ الحكم ويقام على تلك الفكرة.
وأخذ الحكم ليس غاية ولا يصح أن يكون غاية، وإنما هو طريقة للنهضة عن طريق إقامته على الفكرة، فهو يؤخذ ليقام على الفكرة الإسلامية حتى تحصل النهضة.
فقضيتنا هي ليست استلام حكم فحسب بل قضيتنا هي بناء دولة، ببعث الحياة في العقيدة الإسلامية عند المسلمين.
لأنه صحيح أن العقيدة الإسلامية موجودة عند الأمة، والأُمة أُمة مسلمة وليست كافرة، ولكن هذه العقيدة فقدت علاقتها بأفكار الحياة وأنظمة التشريع، فغاضت منها الحيوية وصارت عقيدة جامدة بل عقيدة ميتة، ولم يعد لدى المسلمين ذلك الحافز الحاد الذي دفعهم لفتح الدنيا وحكم البشر ونشر الهدى وحمل لواء العدل والحق،
بل إن هذه العقيدة عندهم فقدت ذكر الله والتطلع إليه والاستعانة به، واتجهت نحو النظرة إلى الخلق واستمداد العون من البشر وأخذ القوة من المال.
بل إن هذه العقيدة فقدت في نفوس المسلمين تصور يوم القيامة، وفقدت الخوف من وعيد الله وعذابه، وفقدت الشوق إلى الجنة والحنين إلى نعيم الآخرة، فقدت المثل الأعلى وهو نوال رضوان الله، وحصرت همها في كسب متاع الدنيا، فصار شوقها إلى منزل فخم وفراش وثير وسيارة فارهة، وصار حنينها إلى متع زائلة كالمال والجاه والسلطان، وصار مثلها الأعلى تحقيق رغباتها المادية وإرضاء من بيدهم تحقيق هذه الرغبات، ولذلك سكتت هذه الأمة على سيادة أنظمة الكفر على المسلمين وبقاء عملاء الكفر في سدة الحكم وضياع أراضي المسلمين ومقدساتهم.
هذه العقيدة الإسلامية حتى عند المتهجدين بالليل والصائمين تطوعاً بالنهار، والمتحرجين عن ارتكاب المعاصي والمحرمات لا تعني عندهم إلا هذه الأعمال، وينصرفون بعدها إلى الدنيا وجدها.
ولم يعد التقيد بحكم الله كما جاء من عند الله هو المسيطر على الأمة ولم يعد لرفع كلمة الله وجعلها هي العليا في أعمالهم أي وجود، ولا في تفكيرها أي نصيب.
لهذا كله كان لزاماً على حملة الدعوة الإسلامية ورجالات الدولة من العمل الدؤوب لبعث الحياة المتألقة في العقيدة الإسلامية في نفوس المسلمين باعتبار الأفكار والأحكام التي انبثقت عنها وحياً من الله، جاء بها جبريل عليه السلام علاجاً لأفعال العباد وإسعادهم، أي لا بد أن نجعل الأمة الإسلامية اليوم تتجه في حياتها على أساس العقيدة الإسلامية وتقيم الحكم والسلطان عليها، ثم تعالج المشاكل اليومية بالأحكام المنبثقة عن هذه العقيدة أي الأحكام الشرعية بوصفها فقط أوامر ونواه من الله، لا بأي وصف آخر، أي حتى تنطق قلوب هذه الأمة قبل ألسنتهم، بأن أفكار الإسلام وأحكامه هي أكبر مبرر لوجودنا جميعاً، وأن إخلاصنا لها يجب أن يرتفع على كل إخلاص، وأن ولاءنا لها يجب أن يرتفع على كل ولاء، فإذا نطقت قلوبهم بهذا ومثله وصار الله ورسوله أحب إليهم مما سواهما، فإنه حينئذ تكون الفكرة التي تجمع الأمة كافة وتقوم عليها الدولة وتنبثق عنها القوانين والأحكام التي تضبطهم قد أوجدت الحياة النضرة في الأمة وحصلت عندها النهضة الصحيحة.
إذن: فليست القضية قضية استلام حكم، وإنما القضية هي استئناف الحياة الإسلامية، ولا يمكن وضع العجلة قبل الحصان!

الجزء التاسع:

الرأي العام وأهل القوة والمنعة:
قلنا في البداية أن لكل مفهوم محددات ينبغي وضع اليد عليها، وأسهبنا في شرح مفهوم السلطان، وأنه للأمة، فالآن ننطلق لشرح الناحية العملية، ما هي المحددات التي يقوم عليها مفهوم السلطان؟
يقوم السلطان على أفكار عن رعاية الشئون، ويمتلك السلطان حق استعمال القوة، لتؤهله لرعاية الشئون، وقد يكون استمد سلطانه
أ_ من الفئة الأقوى في الأمة، فإن كانت هذه الفئة الأقوى تمثل تجانسا مع فكر الأمة وتمثله، فهذا يمثل تجسيدا حقيقيا لإعطاء السلطان بصورة طبيعية، ولا يضير وجود فئات أخرى في الأمة لا تتجانس فكريا مع هذه الفئة، وقد تحصل هنا عملية صهرية تقبل فيها سائر الفئات ما كان من تعاقد بين الفئة الأقوى، وبين السلطة، فيعم الوئام، وقد لا تحصل العملية الصهرية فيعيش المجتمع في تناقضات وتتحين كل فئة الفرصة للوثوب على السلطة، فيحصل التزعزع والقلاقل وضعف الدولة.
ب- وإن كانت الفئة الأقوى باغية لا تمثل إلا فئة متمكنة لها نفوذ ولا ثقل لها في الأمة، فهذا اغتصاب للسلطان، فإذا استطاعت بعد أخذ السلطة إقناع الفئات الأخرى بمشروعها التغييري، حصل التجانس، وتجري بعد ذلك عملية إعادة السلطان للأمة ومن ثم منحها لتلك الفئة تسيير الشئون، وإن لم تستطع عاش المجتمع في تناقضات وتحينت الفئات الأخرى الفرصة للوثوب على السلطة.
ج- وقد تكون الأمة في حالة من الضعف والتردي فيتسلط عليها أعداؤها وينصبون عليها نواطير لا علاقة لهم بالأمة، ولا يهتمون بالتواصل معها، وتكون حالة عداء مستحكمة بين الفريقين، وهنا لا بد من نهوض أحزاب سياسية تعمل على تشكيل ثقل من الأمة يستطيع إحداث التغيير بتغيير المفاهيم والقناعات لإيجاد رأي عام له ثقله، ومن ثم إقناع فئة متنفذة أو قوية من أهل القوة والمنعة بعملية التغيير، حتى إذا صار الثقل لصالح التغيير جرت عملية انتزاع القوة من يد السلطة، بطلب النصرة، ومن ثم تبقى السلطة بغير صلة بالجماهية وبغير صلة بقوتها،
أو بأن تعمل على إيجاد الثقل في الأمة فيقف الكيان المجتمعي وقفة قوية ترفض تسلط السلطة فيسقطها بآليات ليس هنا مجال بحثها مثل العصيان المدني وغيره.

يتبع بإذن الله …

 

Advertisements

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s